أقلام القدس

المعلمون بين مطرقة الأهل وسندان التعليم عن بعد

مضت شهور على بداية العام الدراسي، والجائحة لا تزال مستمرة في معظم دول العالم؛ والأعداد في تزايد ملموس، حيث وصل عدد الذين اصيبوا في العالم لما يزيد على 8 ملايين شخص، أما في البلاد فقد تجاوز العدد 287 ألف مصاب حتى اليوم، دون بارقة أمل بنهاية حقيقية للأزمة، أو بانفراج يوحي بأن بداية الدوام المدرسي، أو حتى الجامعي الوجاهي الرسمي، ولكافة التخصصات على مقربة أيام أو حتى أسابيع. فماذا نفعل؟؟

هل نترك الطلاب فريسة للفراغ والجهل؟؟ ونتركهم لقضاء ساعات أمام أجهزتهم الذكية، ومواقع التواصل المختلفة، ومحطات التلفزة؟ لمشاهدة ما لا ينفعهم على أغلب تقدير، أو نتركهم فريسة للألعاب الإلكترونية التي تفتك بعقولهم، غير آبهين بمستقبلهم التعليمي؟؟ أو ربما نرسلهم لمقاعد الدراسة، ضاربين بعرض الحائط كل قواعد الصحة والسلامة وتعليمات وزارتي التربية والتعليم والصحة؟؟ هل الحل هو إغلاق منصات التعلم عن بعد؟؟ لنجلس مكتوفي الأيدي، بانتظار وصول عقار لفيروس كوفيد 19.

 ربما كان التعليم عن بعد البديل الأمثل خلال الأزمة، والطواقم التعليمية يبذلون قصارى جهدهم لجعله ناجعاً وناجحاً وميسراً، إذ يعلمون بطرق مختلفة ومتنوعة، ويتنقلون من منصة تعليمية لأخرى أكثر نجاعة، في محاولات كثيرة، لمساعدة الطلاب على التعلم، فالمعلمون يشترون أجهزة أكثر حداثة، ويلتحقون بدورات تدريبية، ويقومون بتنزيل تطبيقات حديثة ومتنوعة، ويتعلمون آليات تفعيل تلك التطبيقات، لتصبح أكثر سهولة ويسراً على الطالب، ويقضون ساعات في التحضير لدروس اليوم التالي، وساعات إضافية من النهار والليل ونهاية الأسبوع، وفترة راحتهم، في الرد على استفسارات الطلاب، ورسائل أولياء الأمور، ناهيك عن تصحيح المهام والفروض والوظائف، وحل الأسئلة وإعادة توجيهها، ووضع الامتحانات وتدقيقها، بل إن البعض يُجبرون من قبل إداراتهم على طرق صعبة ومعقدة، ومع ذلك فهم يعملون جاهدين لتسهيلها…

المعلمون يصارعون للنهوض بالعملية التربوية، كلٌّ حسب قدراته وإمكانياته، فالأزمة طالت كافة جوانب العملية التربوية، معلمين وطلاب وأولياء أمور، والمعلم كطرف فاعل ومهم، يبذل جهداً مضاعفاً، يكفيه التفكير بطرق ووسائل واستراتيجيات جديدة ومبتكرة، لجذب الطلاب واستقطابهم للدرس، فكل حصة من حصص التعليم الإلكتروني، تأخذ من المعلمين ساعات للتفكير فيها، وتطبيقها على الوجه الأمثل؛ وكل منصة تعليمية يتم استخدامها، تأخذ من الطاقم ساعات وربما أيام… من التدريب والتجربة والمتابعة والتقييم.

فما بالنا إذا كانت المعلمة متزوجة ولديها أطفال “ام”، فهي كمثلها من أولياء الأمور عليها الاهتمام بأولادها خلال الحصص، وإن كانوا في صفوف دراسية فالأمر أكثر صعوبة وتعقيداً، فهي المعلمة لأولادنا وأولادها في آن واحد، وماذا لو كانت مرضعة، والحضانة مغلقة كبقية المرافق في الدولة، وهي عليها إرضاع طفلها ورعايته وإعطاء حصص لأولادنا ورعايتهم، ماذا نقول؟؟؟

ولا نود الإشارة إلى تقصير بعض الأهالي، بل الكثير منهم يناضلون ليكون أولادهم على خير ما يرام، وهناك من لا يمكنهم مساعدة أبنائهم لأنهم غير مؤهلين لذلك، ببساطة ليسوا معلمين ولا متعلمين، أو ربما لكثرة عدد الأولاد، أو لافتقار الأسرة إلا لجهازين ذكيين فقط، وعدد الدارسين بالبيت خمسة أو أكثر. كل تلك الأمور وغيرها يتفهمها غالبية المعلمين، ويعملون قدر الإمكان على مراعاة الفروق الفردية للطلاب، وسواء من حيث الإمكانيات، أو الفرص المتاحة، أو حتى انقطاع النت، وغيرها من ظروف الطالب التي لا تنتهي.

أما أن يصل الأمر بالطلاب إلى جعل المعلمين والمعلمات مادة للسخرية، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فتلك المهزلة بعينها، والتي لا يقبلها الدين، ولا العادات والتقاليد والأعراف، فأين مقولة احترام الكبير؟؟ وقم للمعلم؟؟..

لأنه من المشين رؤية طلاب في الصفوف الابتدائية يشتمون معلميهم خلال الحصة، هنا من حق المعلم أن يسأل: أين الأهل؟؟ وطالب آخر يشتم أستاذه خلال محاضرة في إحدى جامعاتنا وعبر تطبيق زووم، ليتم نشرها عبر مجموعات التعلم، ومواقع التواصل ومنها فيسبوك وآخرون يضعون موسيقى وأغنيات مبتذلة ورخيصة، مكانها لا يكون في البيوت المحترمة، فكيف بقاعات الدرس والعلم؟؟ وغيرهم ممن يصدرون أصواتاً غير لائقة، خلال الحصة، معتقدين بذلك أنهم يجعلون المعلم أو المعلمة أضحوكة، قال تعالى ” وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) “.

 والمعضلة الأكبر أولياء أمور الذين يرسلون رسائل تهديد للمعلمين بوقف التعليم الإلكتروني، وآخرون يهددون معلمين ومدراء بضرورة فتح المدارس واستقبال الطلاب، وإلا ستكون العواقب وخيمة!!! وغيرهم من يوجه الإهانات والشتائم لبعض المعلمين وينعتوهم بصفات غير مقبولة ولاأخلاقية، ولهم نقول “المعلمون ليسوا السبب في إغلاق المدارس، ولا وقف التعليم الوجاهي، ولا هم من استحدث الفيروس”، والمعلمون أيضاً، هم آباء وأمهات، ولديهم أولاد في المدارس والجامعات، ولديهم من مشاكل وتبعات الأزمة العالمية ما يكفيهم وزيادة، ولعل آخر ما سمعته من إهانات للمعلمين، أن طالبة، أو أكثر من المرحلة الثانوية جعلن من صور المعلمات في إحدى مدارسنا في القدس، ملصقات ساخرة على وسائل التواصل الاجتماعي واتس اب، أو فيديو مشين ومدبلج بأصواتهن وصورهن على تطبيق “تيك توك”، وتم تداوله كمادة للسخرية وإطلاق النكات.

وختاماً لا بد من الإشارة إلى أن المعلمين الذين يتركون أحوال بيوتهم وتعليم أولادهم، ورعاية أطفالهم، لرعاية وتربية وتثقيف أولادنا، لا بد وأن نقف لهم وقفة إجلال وتقدير، رحم الله شوقي

قُم للمعلّم وفّه التبجيلا……….كاد المعلم أن يكون رسولا

لعلها صرخة كبرياء من المعلمين يقولون فيها… نرجوكم دعونا نتعاون معاً لإنجاح العام الدراسي، نحن في خندق واحد ضد الجهل…. دعونا نتعاون معاً… أولادكم أولادنا…

%d bloggers like this: