الجريح الأسير أيمن الكرد.. حين يصبح الموت شللاً

القدس المحتلة- القسطل: في 19/ أيلول عام 2016 أطلقت قوات الاحتلال المتمركزة في باب الساهرة 13 رصاصة على جسد الأسير المقدسي أيمن حسن الكرد من سكان بلدة كفرعقب، ليفقد بعدها قدرته على الحركة، وتبدأ حكايته مع الآلام المستمرة، وسياسة الإهمال الطبي التي تتبعها إدارة السجون بعد الحكم عليه لـ 35 عاماً.

وروى رفيقه في السجن لمدة عامين ونصف محمد البكري لـ القسطل تفاصيل الآلام التي يعاني منها الكرد، قائلاً إن “أيمن أصيب بـ 10 رصاصات في قدمه اليسرى، ورصاصتين في قدمه اليمنى، وواحدة في عاموده الفقري وهي التي أدت إلى شلله، عدا عن أن شظايا الرصاصات ما زالت موجودة في جسد أيمن الذي يتآكل يوماً بعد الآخر، ويموت ببطء”.

وبعد أن اعتقلته قوات الاحتلال، قامت إدارة مستشفى سجن الرملة بإجراء عملية له، ليعاني بعدها من أوجاع وآلام مستمرة مثل لسعات الكهرباء في الأعصاب، وفي أصابع قدميه، وفي فخذته وعضلاته، وعاش لمدة عامين في ذات المستشفى وبدأ بعدها يتنقل بين سجون الاحتلال.

وأضاف البكري “عشت مع أيمن حوال عامين ونصف، منذ عام 2019 حتى منتصف عام 2021، خلال هذه الفترة كان الوضع الصحي له صعب جداً ويعاني من آلام على مدار الساعة، فأيمن لا يشعر في الجزء السفلي ولا يستطيع تحريكه، ويتنقل على كرسي متحرك منذ بداية اعتقاله… هذا الشيء أثر نفسياً بشكل كبير عليه بعد أن استيقظ فجأة في مستشفى سجن الرملة ووجد نفسه شاب عشريني لا يستطيع الحركة”.

دواء متقطع وإهمال طبي متعمد

يتناول أيمن يومياً 10 حبات من الدواء، منها مسكنات، ومنها دواء للمعدة وأخرى كي تساعده على النوم، لكن كل هذا لا يؤثر بجسده الذي يتألم على مدار الساعة.

وأوضح البكري أن آلام أيمن أصبحت حالياً تتضاعف لأنه لم يعد يتأثر بالمسكنات التي تقدمها له إدارة السجون، وأن تقديم هذه المسكنات يكون بشكلٍ متقطع، وبجرعاتٍ مختلفة في كل مرة.

وتابع أن “أيمن طوال الـ 6 سنوات التي مضت لا يعيش باستقرار أبداً، فعندما يجلس يتألم، وعندما يتحرك يتألم، وطوال الليل يبكي بطريقة تُدمي القلب، ولا يستطيع النوم.. توجهنا عدة مرات إلى عيادة السجن وطالبناهم بأن يشرحوا لنا ما سبب الألم وكيف يمكن تخفيفه، لكنهم ردوا بعدم وجود أي شيء يقدمونه له، عدا عن أن أطراف أيمن ممتلئة بالشظايا التي رفضوا إزالتها.. لكن أنا متأكد أن سبب الآلام وموت الخلايا في أطرافه هو نتيجة سوء التعامل معه والإهمال”.

وأشار البكري إلى أن رسالة أيمن ومطالبه هي تسكين الألم الذي يعاني منه على مدار الساعة، فهو لا يريد الخروج من السجن، ويقول “أنا أتأقلم مع السجن.. لكن لا أستطيع التأقلم مع الوجع”.

متطلبات أساسية من أجل تخفيف الآلام

وعن احتياجات أيمن التي تحرمه منها إدارة السجون، تابع البكري أن “إدارة السجن غير مكترثة لوضعه، فأيمن يحتاج إلى فرشة طبية لينام عليها، ولكن هو ينام على فرشة عادية مثل أي أسير، وهذا يضاعف آلام ظهره.. طالبنا كثيراً بفرشة طبية لكن الإدارة رفضت تقديمها، وأيضاً طالبنا بفرشة عادية لنضعها فوق الفرشة الأولى إلا أنهم رفضوا”.

ومن المتطلبات الأساسية التي يُحرم منها الأسير الكرد الحصول على حذاء طبي يشعره بالارتياح، فبحسب رفيقه البكري فإن قدمي أيمن ممتلئة بالبلاتين ولا يستطيع ارتداء أي حذاء.

وفي فصل الشتاء، تتضاعف آلام أيمن بسبب البرد، ويصبح بحاجة إلى جو دافئ، وملابس دافئة، وعدد أكبر من البطانيات.

وأكد على ذلك رفيقه البكري، قائلاً “طالبنا إدارة السجن بوضع تدفئة لأيمن لكنهم رفضوا، أيضاً طالبناهم بمضاعفة عدد البطانيات وكما العادة رفضوا، وعندما أحضرنا له آلة صغيرة للتدفئة اعترضت إدارة السجن وحاصرتها”.

وروى البكري أن انتشار جائحة كورونا كان صعب جداً على جسد أيمن النحيل، إذ أن أي فايروس يصاب به يضاعف لديه الآلام، لذلك كان من اللازم الاعتناء به جيداً وتدفئته بشتى الطرق حتى لا يمرض.

وأضاف أن “متطلبات وأحلام أيمن بسيطة جداً.. كل ما يطالب به هو توفير تدفئة، فرشة طبية، حذاء طبي، ملابس مناسبة شتوية، متابعة واهتمام أكثر، لأنه يموت موتاً بطيئاً وتحمل بما يكفي خلال الـ6 سنوات الماضية، ولو توزعت آلام أيمن على جميع أهل الأرض لن تكفيهم”.

وحول الشيء الوحيد الذي حصل عليه أيمن في السجن، أكمل “في الـ 3 سنوات الأولى من الأسر كان أيمن يجلس على عربة مهترأة ومفككة، وبعد مطالبات طويلة وتضخيم للقصة استطعنا أن ندخل له عربة جديدة مريحة  خففت عنه القليل من آلامه”.

ضحكة صفراء وسط الألم

إن كل ما يحاول رفاق أيمن القيام به من أجل أن يضحك أيمن حتى لو لدقيقة واحدة، فوصف البكري تلك اللحظات قائلاً “أيمن إذا جلس دقيقة واحدة وحده يدخل في عالم آخر ويبدأ بالتفكير بالألم والهم والغم، فالدقيقة التي يضحك بها أيمن تكون أهم دقيقة في حياتنا جميعاً.. أحياناً عندما كنت أشاهده يضحك أكتب الموقف الذي أضحكه على ورقة حتى أكرره له عندما يتألم”.

وكل ما يحلم به أيمن أن يضحك داخل السجن ضحكة يشعر أنها من قلبه، وأن يأكل طعامه دون أي آلام، فعند موعد الطعام يكون مفعول المسكن قد انتهى وتعود الآلام أدراجها لجسده النحيل.

وأوضح رفيقه البكري أن وقت ارتداء الملابس والاستحمام تعتبر أوقات نكد لدى أيمن بسبب صعوبتها.

وحول تفاصيل قضاء أيمن لوقت الفراغ الطويل داخل السجن، قال البكري إن “الأسير الكرد يستيقظ عند ساعات الفجر يتناول الدواء ويبقى حتى الساعة التاسعة يحاول النوم مرة أخرى، وبعد ساعة يستيقظ مرة أخرى ويتناول فطوره يجلس قليلاً في الساحة بضحكة صفراء، ثم يعود للغرفة لآلامه وأوجاعه ويشتد الألم بعد أن ينتهي مفعول الدواء بعد 8 ساعات”.

وأكمل بصوتٍ حزين “أيمن لا يستطيع أن يلعب كرة قدم أو كرة طائرة أو أي شيء من ألعاب السجن، ويرتاح فقط عندما يستمع للمواعظ والأناشيد والخطب.. طالبنا إدارة السجن أن تسمح له بإدخال الشريط السمعي لكنها رفضت”.

زر الذهاب إلى الأعلى