القدس في الأعياد اليهودية .. استباحة وقمع وتنكيل وشلل تجاري واقتصادي

القدس المحتلة- القسطل: يعتبر شهر أيلول مليء بالمآسي والمصائب بالنسبة لشعبنا الفلسطيني، حيث مجزرة صبرا وشاتيلا، أسوء المجازر في التاريخ، وكذلك توقيع اتفاق أوسلو الكارثي، الذي ندفع ثمنه حتى الآن تقسيماً وإنقساماً للأرض والشعب وتفكيكاً مجتمعياً وطنياً، ولكن رغم ذلك فهذا الشهر حمل إنجازات وانتصارات منها تحرير قطاع غزة أيلول/2005 وعملية “نفق الحرية” 6/أيلول/2021، بالتحرر من سجن جلبوع أكثر سجون الإحتلال أمناً وتحصيناً، رغم إعادة اعتقال أربعة من الأسرى المحررين.

هذا الشهر بمثابة الكابوس لأهلنا وشعبنا وتجارنا في مدينة القدس، حيث تقع فيه أغلب الأعياد اليهودية، والتي تعيش فيه مدينتنا معاناة حقيقية، هذا الشهر تقع فيه أعياد رأس السنة العبرية ويوم ” الغفران” وعيد العرش، بمعنى 12 أيام أعياد خلال شهر، تعيش فيها المدينة أسوء وأحلك مراحلها … وقبل الخوض في التفاصيل، لا بد لنا من القول إلى أن ما يسمى بـ”يوم الغفران” هو أقدس أعياد اليهود، وهو اليوم الوحيد الذي تفرض الشريعة عليهم الصيام فيه عن الأكل والشرب 25 ساعة، كما تمنع فيه الحركة بصورة كاملة، وفيه أيضاً تشدد سلطات الاحتلال الخناق على الفلسطينيين في المدن المختلطة ومن بينها مدينة القدس.

وفي هذا اليوم وتلك الأعياد تستبيح قطعان من المستوطنين والجماعات التلمودية والتوراتية حرمة المدينة وقدسيتها، وكذلك حال الأقصى، حيث الاقتحامات الكبيرة وأداء الطقوس والشعائر التلمودية والتوراتية وشروحات وتعليم التوراة في ساحاته على يد مجموعة من الحاخامات المتطرفين المشاركين في الإقتحام.

المهم في هذه الأعياد وبالتحديد فيما يسمى بيوم الغفران، يعيش المقدسيون الكابوس الحقيقي، فقبل ما يسمى بيوم الغفران، من عصر الليلة السابقة له، تبدأ شرطة وجيش الإحتلال بوضع المكعبات الإسمنتية على مداخل القرى العربية في مدينة القدس، وتحولها إلى ثكنة عسكرية بدفع المئات من عناصرها للتحكم في مداخل ومخارج تلك البلدات، ونشرهم في شوارع البلدة القديمة وشوارعها وأزقتها، وكذلك في القرى والبلدات المقدسية، كل ذلك لا يقتصر فقط على التنكيل بالمقدسيين وقمعهم والتضيق عليهم، ومنعهم من الحركة والتجول، بل هذا المسلسل يمتد ليطال احداث حالة من الشلل في حياة المقدسيين بشكل شبه كلي، من حيث تقييد حركة المواصلات إلى أبعد، وشل وتعطيل العملية التعليمية، والأخطر من ذلك شل الحركتين التجارية والإقتصادية في القدس، في شوارعها الرئيسية وفي البلدة القديمة على وجه الخصوص، فالمحتل يريد أن يقول بأن القدس مدينة ” موحدة” وهو صاحب السيادة عليها، وبالتالي يريدون إخضاعنا وتطويعنا وبرمجة حياتنا وفق أعيادهم ومناسباتهم.

فيما يسمى بيوم الغفران نشهد ” تسونامي” من الجماعات التلمودية والتوارتية، يستبيحون حرمة وقدسية البلدة القديمة، يمارسون كل أشكال العربدة والزعرنة والاستفزاز بحق المواطنين والتجار المقدسيين، وقسم من الأسواق التجارية تغلق والكثير من المحلات التجارية يضطر أصحابها إلى إغلاقها، حيث تجبرهم شرطة وجنود الاحتلال على ذلك، وخاصة الأماكن التي ستمر منها مسيرات المستوطنين، والقسم الآخر يتعرض للاستفزاز وفرض الغرامات والمخالفات عليه من قبل شرطة وجيش الاحتلال المنتشرين في كل زقة وشارع تحت ذريعة حماية المستوطنين وتسهيل احتفالاتهم المترافقة مع استفزاز للمواطنين والتجار، من خلال الشعارات والكلمات الإستفزازية الهادفة للمس بكرامة الإنسان الفلسطيني ورموزه الدينية ومقدساته.

والأدهى من ذلك مع تزايد البؤر الاستيطانية في المدينة المقدسة، تتحول تلك البؤر إلى مزارات وأماكن احتفالات بيوم الغفران وبقية الأعياد اليهودية، بما يعنيه هذا من عرقلة واعاقة كبيرة لحركة المواطنين وإغلاق للمحلات التجارية، بحيث تبدو البلدة القديمة شبه فارغة ومدينة أشباح، وليس هذا فقط حتى أن السكان المقيمين بالقرب من تلك البؤر الاستيطانية يمنعون من الوصول إلى أماكن سكنهم، أحياء القرمي، الواد، باب السلسلة… الخ.

علينا أن نعرف وندرك بأن الوضع الاقتصادي والتجاري في المدينة وبالذات في البلدة القديمة منها يشهد حالة من الركود والشلل، ليس بفعل الأعياد والمناسبات “الإسرائيلية” ومسيرات المستوطنين الاستفزازية فقط، فالكل يذكر بأن دولة الاحتلال بسبب جائحة ” كورونا” وحتى اللحظة دخلت في ثلاث إغلاقات كبرى منذ آذار /2020 ولغاية الآن، ونتج عن ذلك 400 محل تجاري للتحف الشرقية ” السنتواريه” والمطاعم والمقاهي والفنادق المرتبطة بها مغلقة، وكذلك هذا الوضع جعل الكثير من تجار البلدة القديمة ومدينة القدس يقدمون على إغلاق محالهم التجارية، حيث مصاريف فتح تلك المحلات أعلى من الدخل الناتج عن فتحها، ولا ننسى بأن الضرائب المفروضة على تجار القدس، وبالذات ضريبة المسقفات ” الأرنونا” (300) شيكل للمتر المربع الواحد، وهناك عشرات ان لم يكن الرقم بالمئات من المحلات التجارية تتراكم عليها ضريبة المسقفات ” الأرنونا” بعشرات آلاف الشواقل والبعض منها بالمئات، بما يعرضها لمخاطر بيعها في المزاد العلني واستيلاء الجماعات الاستيطانية عليها.

زر الذهاب إلى الأعلى