تَعلّم اللغة العبرية.. تطبيعٌ أم مقاومة!!

القدس المحتلة- القسطل: بعد أن كانت اللغة العبرية لغةً ميتةً لأكثرَ من ألفي عام أصبحت اليومَ من مقومات هوية دولة الاحتلال “الإسرائيلي” فيما ارتبط ايجادُ وطنٍ قوميٍ لليهود بإحياء اللغة العبرية، وشكّلت الهجرةُ اليهودية لفلسطين فرصةً لظهُورِ ثقافة ولغة عبرية مستقلة. وقد دَعَمت الحركة الصهيوينة جهود إحياء اللغة العبرية لتكون ذا قيمةٍ اعتباريةٍ جامعة، وتصبح صلةً تجمع اليهود وتوحدهم برغم اختلافاتهم الثقافية الكبيرة. وانخرطت كذلك، الإصدارات المختلفة باللغة العبرية في المشروع الصهيوني، ودعمت فكرة فلسطين بوصفها أرض اليهود الموعودة!. وقد ساهمت أعمالٌ أدبيةٌ كثيرة صدرت باللغة العبرية كمثل “محبة صهيون” للأديب الروسي أبراهام مابو، بشكلٍ كبير في هذه المهمة، ولعبت على هذا الوتر وأحدثت موجة حنينٍ للوطن المزعوم بهدف الترويج لفكرة الهجرة واستقطاب اليهود من كل مكان. تدريجياً أصبحت اللغة العبرية من أهم مقومات الهوية الصهيوينة متقدمةً على الديانة اليهودية، ونقيضاً للغة العربية، لغة “الآخر العدو”، وهي اليوم رديفٌ للهوية اليهودية، وهذا ما عبّر عنه مؤخراً قانون “الدولة القومية اليهودية” الذي جعلَ من العبرية اللغة الأساسية “للدولة”، مهمشاً استخدام العربية التي كانت تعد لغةً ثانية في “الدولة”.

عربياً يتجدد الجدلُ حول تعلّم اللغة العبرية، بين من يرى فيها أمراً مرفوضاً وأخر يعتبرها ضرورةً وجزءاً من أوجه الصراع العربي الإسرائيلي. يطفو النقاش ويخبو بخصوص هذا الموضوع، وينقسم الرأي بشأنه دائماً، فهناك معارضون يرون أن تَعلّم اللغة العبرية ليس سوى وجهٌ آخر من أوجه التطبيع الثقافي، المرفوض شعبياً؛ وهناك مؤيدون يعتبرونها ضرورةً لمعرفة الآخر وفهمه. فكيف ننظر إلى تَعلّم اللغة العبرية اليوم خاصةً مع احتضان إسرائيل وتمددها عربياً. فمنذ تطبيع الإمارات والبحرين علاقاتهما مع “إسرائيل” العام الماضي، يزداد الإقبال بشكلٍ كثيف على تعلّم اللغة العبرية في الدول الخليجية، وقد أصبحت كلمة “شالوم” تُسمعُ كثيراً في شوارع دبي، فما هي دوافع هذا الإقبال غير المتوقع؟. وهل هي جريمةٌ أن تتعلم اللغة العبرية لأنها اللغة الرسمية للاحتلال؟ هل هذا كافٍ لتجريم لغة تاريخية قديمة وُلِدت قبل الاحتلال الإسرائيلي؟ بهذا المنطق، فإن اللغة العبرية تحمل عناصر العداوة في جوهرها. فكيف نسمي هذا!.

في الواقع، لا توجد لغةٌ عدوةٌ بالمطلق، بل يوجد مضمونٌ عدواني ونقيضه في أي لغةٍ كانت. كل اللغات تتساوى في النهاية، لا يفرق بينها إلا المحمول الذي تتبطنه. لغة فولتير المناصرة للعقلانية والحداثة والحق والمساواة، تقابلها داخل اللغة نفسها، لغة أباطرة الحقد العرقي، ولغة العمالة عند فيشي والتطرف والحقد العرقي عند عائلة لوبين. وفي الفضاء اللغوي الألماني، لغة ماركس وأنجلز، وغونتر غراس تقابلها لغة هتلر، وغوبلز ومجرمي الحرب العالمية الثانية. لغة المتنبي، وابن رشد، ونجيب محفوظ، هي نفسها اللغة كنظام لساني، التي تكلمها ابن لادن والزرقاوي والظواهري. أما العبرية، بيت القصيد في هذا المقال، ومع كونها عبرية أنبياء الله سيدنا إبراهيم، عليه السلام، أبو الأنبياء جميعاً، وسيدنا موسى، ويوسف، وعبرية ألموس عوز، وغروسمان، وأيلان بابيه، فهي نفسها عبرية كهانا، ونتنياهو، وبينت الإسرائيلي، ومع ذلك فهي تختلف عنها جوهرياً. ما أود قوله، داخل كل لغة محمولٌ وخطابٌ محدد، قد يكون إنسانياً كما قد يكون عدوانياً. كيف يمكننا جَمعَ أُناسٍ متناقضين في الخانة نفسها فقط لأنهم تكلموا نفس اللغة، بهذا المنطق، سنعادي كل أنبياء اليهود لأنهم تكلموا العبرية القديمة!. الصراع ليس مع اللغات في المطلق، ولكن ضد الذين يجعلون من هذه اللغة أو تلك، ومنها العبرية، أداة طحنٍ يومي للفلسطيني. لا يمكن وضع الصديق والعدو في سلة العداوة اللغوية نفسها. المُحدد في النهاية ليست اللغة، ولكن محمولها الأساسي والهدفُ من تعلّمها. والعبرية لا تخرج عن هذا السياق، فهي واحدةٌ من هذه اللغات الإنسانية التي تكلم ويتكلم بها جزءٌ من البشرية، واسعاً كان أو محدوداً، لا يهم، إذ لا توجد لُغةٌ مقدّسة ولغة مُدنّسة، لغة شياطين ولغة ملائكة. هناك لغاتٌ لها مساحاتٌ كبيرة وأخرى مساحاتها محدودة لعوامل تاريخية كثيرة. كلُ لغةٍ مهما كانت صغيرة فهي تتساوى مع غيرها، لها قيمتها ما دام شعبٌ على وجه الأرض يتكلمها ويعيش من خلالها.

إن التعامل مع العبرية كلغةٍ قديمة، كان لسكان المناطق العربية الحالية الفضل الأكبر في تأصيلها ووضع قواعدها وتدوين النصوص المقدسة فيها، يتطلب التعامل معها كلغةٍ قائمةٍ بذاتها، وليس بالضرورة ربطها بدولة الاحتلال الحالية التي اتخذت من اللغة العبرية، من بين ما اتخذت، وسيلةً للترويج لفكرة الهوية القومية اليهودية. إنّ معاداة اللغة العبرية، كلغةٍ سامية شرق أوسطية عريقة وتقديمها على طبقٍ من ذهب للدولة “الإسرائيلية” أقرب إلى العدمية منه إلى الموقف السياسي المتفهم والمستقرئ للأحداث والتفاعلات السياسية والمجتمعية التي تحتدم في عالمنا العربي، بعيداً عن الشعارات الفضفاضة التي يطلقها البعض أو يردّدها بطريقة “ببغاوية” دون تمحيص أو دراية. ولنعد إلى العقل بدل الجدل الذي لا مبرر له إلا امعانُ الغرقِ في صراعاتٍ ثانوية لا تساوي جناح بعوضة أمام القضية الكبرى، فلسطين، وهي تواجه احتلالاً بغيضاً وعنصرياً دفاعاً عن حق مسلوب في الحياة والحرية على أرض الأجداد.

في الواقع، يخضعُ هذا المسار “العقلاني” لمبدأ يقول إن العبرية هي العينُ الثالثة التي نطلّ بها على الآخر، ومع ذلك دعونا من اللغة العبرية نفسها، ولنركّز للحظة على علاقتنا بذلك الآخر. هل هو عدوّ أم كيان طبيعي؟ فإن كان عدواً فسيكون من أشد واجباتنا أن نَعرِفه ونفهمه ونطّلع على آدابه وثقافته، وهنا تصحُّ بالفعل مقولة “اعرف عدوّك”، غير أن ذلك لا يعني أن نفتح له الباب لاختراقنا كورمٍ سرطاني. أما إن اعتبرناه كياناً طبيعياً وموجوداً، فهذا يعني اعترافاً صريحاً به، ما يعني تطبيعاً مدفوع الأجر، ضمن حساباتٍ يعرفها كلّ من سابق إلى مستنقع التطبيع والترويج لحق الكيان الصهيوني في الوجود والتمدد، صحيح أنه يتعيّنُ علينا ألا نخلط بين السياسة والأدب، أو بين اللغة العبرية والصهيونية العالمية، لكن الأصحّ أيضا أن نقول أنّه إن كان تعلم العبرية يهدف للتعرف على المجتمع والحياة الإسرائيلية واتجاهات الرأي العام لديهم، في إطار مبدأ “اعرف الآخر”، حيث أن الجهل بإسرائيل ومجتمعها من الأسباب الرئيسية لاستمرار هزيمتنا أمامها، فنعم المضمون والغاية.

إنّ توجُّهَنا كعرب وكفلسطينيين، على وجه التحديد، إلى تعلّم اللغة العبرية يعتبر إستراتيجية وأسلوب مقاومةٍ مهمٌ جداً في إدارة جوهر الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الطويل الأمد من جوانب ثقافية ومجتمعية وتاريخية، لا من جانب أمني عسكري فقط، حيث من الضروري فهم لغة خصمنا الذي يقرأ لغتنا جيداً ويوجه رسائله لنا بالعربية الإسلامية للتأثير على الرأي العام، وتسقط جدراننا كأحجار الدومنوز أمام مده المستمر. فنحن في المقابل علينا قراءة المجتمع الإسرائيلي ومخاطبته بلغته التي يفهمها ارتباطاً بمركزية قضيتنا الفلسطينية لتكوين خطابٍ وطنيٍ فعلي لا ردود أفعالٍ انفعالية طائشة.

زر الذهاب إلى الأعلى