الأسيرة الجريحة إسراء جعابيص.. قصة عذاب امتدت منذ أكثر من 6 سنوات وما زالت مستمرة

القدس المحتلة- القسطل: في الـ11 من تشرين أول/ أكتوبر عام 2015، اتّهمت الأسيرة المقدسية ابنة بلدة جبل المكبر إسراء جعابيص زوراً وظُلماً بمحاولتها تنفيذ عملية ضدّ الاحتلال، في الوقت الذي كانت النار تأكل من جسدها، وأتت على أكثر من ستين بالمائة منه.

“المسألة مسألة جرح مُغطى، لكن عندما يُفتح عليه تتجدد فيه الآلام” بهذه الكلمات بدأت منى جعابيص حديثها عن آلام شقيقتها إسراء.

وروت شقيقتها منى جعابيص لـ القسطل تفاصيل الحادثة، قائلة “في تاريخ 11 أكتوبر 2015 كانت إسراء متجهة من مدينة أريحا باتجاه منزلها في جبل المكبر بالقدس، فهي كانت تعمل في مؤسسة لدى المسنين، وتحمل شهادة أنها تقوم برعايتهم، وكانت تدرس تربية خاصة على أبواب السنة الثانية”.

وأضافت “في ذلك اليوم تعطلت مركبة إسراء مرتين، الأولى في باب المنزل، والثانية في مدينة أريحا، وتلقت إسراء مساعدة من بعض الشبان، وبحسب إفادة أحد الشبان أنه نصحها أن لا تسير بمركبتها لأنها تحتوي على عُطل… لم يحدد ما هو العطل، لكن إسراء كان لديها عمل ويجب أن تذهب إليه”.

في ذلك الوقت، بقيت إسراء متجهة نحو مدينة القدس، وقبل “حاجز زّعيم” بأكثر من 1500 متر توقفت مركبتها على الشارع العمومي، في حينها مرّ شرطي من الاحتلال وصفته شقيقتها بأنه “لا يستحق لقب شرطي”، وسألها لماذا توقفت هنا؛ لأن هذا شارع عمومي وتمنع المركبات الخصوصية من الوقوف فيه.

فأخبرته إسراء بأن مركبتها تعطلت، وهناك رائحة بالداخل، لكن كان رد الشرطي أن تبقى ملتزمة المركبة ولا تخرج منها.

في حينها حاولت إسراء أن تشرح له الوضع وتخبره بأن هناك رائحة ووجود دخان يخرج من الأمام، وهو يردد “التزمي المركبة”.

وصفت شقيقتها تلك اللحظات، مرددة “إسراء كردة فعل طبيعية لأي إنسان خرجت منها حتى تحمي نفسها من الرائحة والدخان، فقام الشرطي بدفعها داخل المركبة وأغلق الباب على يدها اليسار، فأصبحت إسراء غير قادرة على الخروج، وبدأت تصرخ وكتبت لي إسراء هذه اللحظات”.

وتابعت الشرح “أخذت إسراء تستنجد.. لكن أنا لا أستوعب كيف يترك إنسان إنساناً آخراً داخل مركبة ويشاهده وهو يختنق، ويده مغلق عليها الباب،  قسوة غير موجودة حتى عند الحيوانات”.

في هذه اللحظات، صرخت إسراء وبدأت تردد “الله أكبر.. الله أكبر”، فأشارت شقيقتها منى إلى أن “نحن مسلمين عندما نزعل، نفرح، نتألم نقول الله أكبر.. عندما قالتها إسراء إعتبروها تهمة.. تهمة أن الله أكبر”.

لا تعلم إسراء كم الوقت الذي استمر حتى اشتعلت المركبة، ليتحول الحادث إلى اعتداءٍ مجرم، وحرق إنسان وهو على قيد الحياة، ثم يتلقى تحقيق ميداني، ويحكم عليه بالسجن الفعلي لمدة 11 عاماً، وغرامة مالية قدرها 50 ألف شيقل.

 

تحقيق ميداني وإهانة في الإسعاف

لم تقم شرطة الاحتلال بإطفاء مركبة إسراء بل تركتها تشتعل، وبالمصادفة، بمرور شاب عربي لا تعلم عائلة إسراء من هو، تحدى شرطة الاحتلال وأحضر مطفأته الخاصة من مركبته وحاول الإطفاء، منعته الشرطة بشتى الطرق.. لكنه بفضل الله استطاع أن ينجح في إطفاء حريق المركبة، وبعد ذلك أخرجت الشرطة إسراء من المركبة وهي محروقة.

كانت في حينها إسراء ترتدي عبائة وأسفلها بنطال جينز وبلوزة، حاولت الشرطة ان تزيل العبائة عنها فجاء الشاب ورفض، وقال لهم “لو ستقتلونني لن أسمح لكم أن تخلعوا عباءتها عنها، وخلع جاكيته ووضعه عليها”.

وعندما حاولوا تهديده بالسلاح قال لها “آسف يختي.. لدّي أولاد”.

وعن هذا الشاب، قالت إسراء لشقيقتها منى أن توجه له رسالة “الله يجزيك الخير ويستر عليك دنيا وآخرة”.

وبعد أن أخرجتها الشرطة على الأرض بدأت معها بالتحقيق الميداني، ووصفت منى هذه اللحظات “هذه المدة لا يعلمها أحد، لا نحن ولا إسراء، وكأن الزمن في حينها توقف”.

وتابعت شقيقتها “إسراء تقول حتى عندما وضعوها في الإسعاف الطاقم الطبي نفسه أخذ يبصق عليها، ويشتمها ويطلق عليها كلمة “إرهابية”، كالمثل الشعبي الذي يقول “قتلوا القتيل ومشوا بجنازته”.

قدرت شقيقتها أن المسافة من حاجز الزّعيم إلى مستشفى هداسا في الإسعارف تستغرق تقريباً 20 دقيقة، وأخبرتها إسراء أن “هذه اللحظات من أصعب اللحظات التي عاشتها في حياتها.. هناك لحظات صعبة لكن هذه هي الأصعب”.

ورددت شقيقتها منى متسائلة والحزن بعينيها “كيف يمكن أن تستوعب إسراء التي كانت تعيش يومها وتعمل بطريقة طبيعية ما تعرضت له،  فجأة وجدت نفسها محروقة، ومحرومة من حريتها، وتتعرض للإهانات والبصق”.

 

مواجهة بالمرآة والسُخرية

وعن الطريقة التي أخبرت بها قوات الاحتلال إسراء عن الحروق في جسدها، قالت شقيقتها “أثناء التحقيق، كانوا يضعون لها المرآة على وجهها، ويرددون لها عبارة مثل “المسخ”.

وأضافت “عندما بتروا لها أصابعها أحضروا لها مجندة وأصبحت تعايرها وتقول لها “شاهدي ما أجمل اظافري”، فردت عليها إسراء “نعم، وأنا لدي أظافر جميلة وعندما أطيب سأهتم بهن، وتشاهدين”.

أجابتها الشرطية “لأ.. فأنتِ بُترت كافة أصابعك”، وفي حينها، كانت إسراء مقيدة، لا تستطيع الحركة، ومخدرة بعد إجراء العملية.

وأكدت شقيقتها أن إسراء وقعت في الورقة التي أعطتها إياها قوات الاحتلال قبل دخولها العملية على بتر إصبع واحد وهو “طرف السبابة”… وعندما خرجت من العملية تفاجأت ببتر 8 أصابع من يديها، حتى الإصبعين المتبقيين لا تستطيع إستخدامهن.

 

“أين ابنتي؟”

ووصفت شقيقتها منى لحظات زيارتهم لها لأول مرة، قائلة “سُمح لنا بزيارتها بعد 3 شهور و20 يوم، كانت من المشاهد القاسية التي لن ننساها ولن تنساها إسراء.. نحن كنا نعلم أننا سنشاهدها بشكل متغير خارجياً”.

وتابعت “إسراء بدايةً كانت تغطي وجهها، فأنا أخبرتها “نحن نحبك.. والله نحبك” حتى ضحكتك مميزة وصارت مميزة أكثر”.

أما والدتها أخذت تبكي، ووالدها بدأ ينادي، ويقول “أين إسراء.. أنتِ إسراء؟ أريد ابنتي؟” وهي تحلف وتقول له “أنا إسراء يا بابا”.

وعن الحالة الصحية لإسراء اليوم، أكدت شقيقتها أنها تعاني من آلام في جسدها بسبب الحروق، وهي بحاجة لـ 6 عمليات جراحية، فهي بحاجة لإجراء عدة عمليات بكفوف اليد؛ لأن العظام مكشوفة، وهي بحاجة لعملية لترميم هذه العظام بالجلد المتبقي، وعملية تعيد لها الليونة لما تبقى في عناقيد الأصابع.

ولم تعد تقوى على رفع يديها إلى الأعلى بشكل كامل نتيجة التصاق الإبطين، وهي بحاجة إلى عمليات تصحيح للجلد في محيط عينها اليمنى وفي الأنف الذي أصبح غائراً، وذات الأمر بالنسبة للشفاه، وعملية لفصل أذناها بعد أن ذابتا والتصقتا بفعل الحروق في الرأس.

وأضافت شقيقتها منى “نحن نطالب بالأشياء الحيوية والعلاجات، ونقدمها على العمليات التجميلية حتى تستطيع الأكل والشرب والتنفس، لكن هي أيضاً بحاجة للعمليات التجميلية”.

زر الذهاب إلى الأعلى