أقلام القدس

قضية الشيخ جراح بلغت مرحلة الحسم والمطلوب قرار جمعي ورؤيا شمولية

القدس المحتلة- القسطل: من الواضح من خلال المحكمة التي جرت لأربع عائلات من حي الشيخ جراح يوم الإثنين2/8/2021، وبعد قرار تأجيل الإخلاء بحق ثلاث عائلات أخرى جرت محكمتها في 29/7/2021، الدجاني والداودي وحماد، والقرار الذي اتخذه قضاة ما يسمى بمحكمة العدل الصهيونية بتأجيل عملية إخلاء اربع عائلات أخرى الكرد والقاسم والسكافي والجاعوني، كان له معاني ومضامين مختلفة عن المحاكمات التي جرت في الجلسات السابقة.

وكان هناك تطور لافت في هذه الجلسة، حيث كان قضاة المحاكم الصهيونية سابقاً يرفضون الإستماع الى الإدعاءات الموضوعية والقانونية التي يمتلكها المحامون الموكلين عن سكان الحي حسني أبو حسين وسامي ارشيد حول ملكية تلك الأراضي المقامة عليها منازل حي الشيخ جراح المهددين بالطرد والتهجير، 28 عائلة مجموع أفرادها 550 فرداً، ومع تأكيدنا على أن جلسات المحاكمات سياسية بإمتياز، وتجري بضوء أخضر من المستويين السياسي والأمني لخدمة الجمعيات التلمودية والتوراتية التي تستهدف السيطرة على أراضي المقدسيين وطردهم وتهجيرهم قسرياً، إلا ان جلسة المحكمة كشفت الكثير من الخبايا والحقائق، التي تؤكد على أن المستوطنين يريدون الإستيلاء على منازل الحي بالبلطجة والزعرنة وعبر اوراق مزيفة وتوظيف القانون والقضاء الإسرائيلي لخدمتهم.

وما كان لقضية الشيخ جراح ان تقترب من تحقيق الإنتصار ومرحلة الحسم لولا حالة الصمود الأسطوري لسكان الحي وثباتهم على مواقفهم ورفضهم لكل أشكال المساومة على ملكيتهم لأراضيهم المقامة عليها منازلهم، وكذلك حالة التضامن والاشتباك الشعبي مع المحتل عبر المسيرات والمظاهرات والاعتصامات والاحتجاجات الشعبية المستمرة والمتواصلة والتي أربكت المستويات السياسية والأمنية في دولة الإحتلال، حيث التحم فيها أبناء شعبنا في القدس والداخل الفلسطيني من حراكات شبابية وفعاليات شعبية، وكذلك القوى والأحزاب العربية في الداخل الفلسطيني بكل مكوناتها ومركباتها السياسية الوطنية وغير المتصهينة مع القوى والمؤسسات المقدسية وهيئة العمل الوطني والأهلي ساهمت بشكل فاعل في جهد ومعركة الصمود والثبات.

وكذلك علينا الإقرار بأن للأردن دور إيجابي يقدر ويثمن في هذا الجانب، من خلال تقديم الوثائق ليس فقط ما جرى تصديقه، ولكن تلك الأوراق التي أشارت الى أن الحكومة الأردنية كانت تسير في إجراءات التطويب للأراضي والمباني لصالح السكان، والتي تعطلت لأسباب خارجية، والمقصود هنا وقوع حرب حزيران 1967، وحسب تلك الوثائق المسلمة فالفرق بين هذه الوثائق وبين الوثائق التي سُلمت سابقاً، أن الوثائق السابقة تحدّث عن “نوايا” بينما تشير هذه الوثائق إلى خطوات عملية لتطويب الأرض بأسماء السكان، وأن المسار القانوني كان على وشك الاستكمال لولا شنّ “إسرائيل” حرب 67 واحتلال القدس.

وتبيّن الوثائق أنه في آذار/ مارس 1967، أي قبل ثلاثة أشهر من اندلاع الحرب حصل أهالي حي الشيخ جراح على إعلان للانتظار في منازلهم لمسؤول القياسات من أجل تطويب الأراضي.

وبعد ذلك بشهر كتب موظّف الطابو الأردني لمدير سلطة الأراضي أن مسار القياسات استكمل، ويجب الآن تسجيل الأراضي حفاظاً على حقوق “وزارة الإسكان والممتلكات، المفوضة على ممتلكات اللاجئين”.

وبحسب “هآرتس” فإن الوثائق الأردنية مدعومة برأي مسؤولة رفيعة سابقة في النيابة العسكرية “الإسرائيلية” عملت في الضفة الغربية المحتلة، والذي يؤكد أنه “بناءً عليها (الوثائق الأردنية)، يمكن الاستنتاج أن إخلاء الفلسطينيين من منازلهم غير قانوني”.

وجاء في وجهة النظر التي قدمتها  د. رونيت ليفين- شنور “نائب المستشار القضائي للإدارة المدنية في مجال الأراضي في الضفة المحتلة”، أنه “لا يوجد شك في أنه لولا التدخل الخارجي الناتج عن التغييرات السياسية التي حدثت في المنطقة (في إشارة إلى الاحتلال عام 1967)، لكانت إجراءات التسوية قد اكتملت وكان من الممكن تسجيل شاغلي الأراضي كملاك لها وفقاً للتعليمات الصريحة والالتزامات الحكومية الواضحة تجاههم”، وكذلك طرحت هذه القضية من قبل الملك الأردني عبد الله الثاني في لقائه بواشنطن مع الرئيس الأمريكي بايدن.

وأيضاً لا ننسى بأن قضية الشيخ جراح تحولت من قضية محلية إلى قضية دولية، وأخذت أبعاداً إنسانية وسياسية، ساهم فيها نشطاء المواقع الإلكترونية والسوشال ميديا التي تفضح وتعري دولة الاحتلال كدولة احتلال عنصرية قائمة على الطرد والتهجير، وهذا ساهم في استقطاب قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي لصالح قضية أهالي الشيخ جراح خاصة، وقضايا المهددين بالطرد والتهجير عامة من أحياء القدس “كبانية أم هارون” في الشيخ جراح، وأحياء البستان “بطن الهوى، عين اللوزة، وادي حلوة، واد الربابة وواد ياصول”.

وكذلك الجهد الذي بذل مؤسساتياً ورسمياً من قبل السلطة الفلسطينية مؤسسة الرئاسة والجهات المعنية من وزارة شؤون القدس ورئاسة الوزراء والخارجية مع البعثات الدبلوماسية الأوروبية والاتحاد الأوروبي والأمريكان، والتي ساهمت في تحشيد الدعم الدبلوماسي لصالح قضية الشيخ جراح.

ولا ننسى بأن معركة “سيف القدس” في أيار الماضي والتي تدخلت فيها المقاومة لصالح القدس والأقصى، كان أحد مطالبها منع تهجير سكان حي الشيخ جراح.

في محكمة العائلات الأربعة كان واضحاً بأن القيادة السياسية “الإسرائيلية” وخاصة رئيس الوزراء “الإسرائيلي” القادم من جبهة الإستيطان والمستوطنين غير قادر على اتخاذ قرار بإخلاء سكان حي الشيخ جراح، فهناك اعتبارات سياسية، المواقف الدولية الرافضة لعملية الإخلاء والطرد والتهجير بحق سكان حي الشيخ جراح، وكذلك الخوف من التداعيات الأمنية والتي قد تنجم عن مثل هذا القرار بتصعيد وتسخين الأوضاع ليس على مستوى القدس، بل ربما يدفع ذلك الى إنفجار الأوضاع على طول وعرض جغرافيا فلسطين التاريخية وقد تتدحرج الأمور الى ما هو أبعد من ذلك.

وبالمقابل رئيس الوزراء “الإسرائيلي” لا يستطيع تحمل صدور قرار يؤكد على حق سكان حي الشيخ جراح في منازلهم وأرضهم؛ فهذا القرار من شأنه أن يُخسره تأييد المستوطنين الذين يحتاجهم في دعم استمرار حكومته غير المستقرة أصلاً، ويعجل في سقوطها من قبل تحالف اليمين واليمين المتطرف الذي يقوده نتنياهو، حيث هذه الحكومة فشلت في الإختبار الأول وهو تمرير قانون ”المواطنة” بند لم الشمل، وبالتالي صدور مثل هذا القرار حتماً سيطيح بحكومته، ولذلك كان أهون الشرين صدور قرار بالتأجيل على أمل حدوث تغيرات وتطورات سياسية، كما عبر عن ذلك أحد قضاة محكمة الاحتلال.

محكمة العائلات الأربعة اختلفت عن المحاكمات السابقة من حيث سماح القضاة واستماعهم للمحامين في طرح ادعاءاتهم الموضوعية والقانونية، والتي كشفت عن أن قيام المستوطنين بعملية تسجيل الأرض فيها الكثير من النواقص في التفاصيل، وكذلك لم يتم ابلاغ السكان بعملية التسجيل، وبأنه لا يوجد قوشان طابو يؤكد على ملكية المستوطنين لهذه الأرض منذ القرن التاسع عشر كما يدعون، ولا يوجد اعتراف من قبل السكان الفلسطينيين بملكية المستوطنين لهذه الأرض، وبأن القيّم على هذه الأرض قام بتحريرها لكونها ليس في ملكية احد، وكذلك بعد الإحتلال وفي عام 1968 تعهد وزير ” العدل” الصهيوني شمشون شابيرا للأردن بعدم إخلاء سكان حي الشيخ جراح تحت ادعاءات استعادة الأملاك اليهودية أو أي حجج أخرى.

ولذلك وجدنا بان القضاة كانوا يناورون ويحاولون الضغط من أجل قبول تسوية تقبل فيها العائلات الأربعة بالاعتراف بملكية اليهود للأرض مقابل ايجاره محمية للسكان، وهو عرض قديم جديد تم رفضه، وإزاء ذلك طرح القضاة قضية تسوية يعتبر فيها “الجيل الصغير” من السكان الجيل الأول وليس الثالث مقابل إيجاره محمية بمبلغ رمزي تدفع للمستوطنين مقابل الاعتراف بملكيتهم للأرض، وقد رفض سكان الحي هذا العرض، وكذلك المستوطنين، وبالتالي اضطر القضاة لتأجيل القضية.

في ضوء ما حصل فأعتقد بأنه مع استمرار الضغوط على حكومة الاحتلال، والنضال الشعبي الجماهيري السلمي، والحقوقي والقانوني والسياسي، سيشكل عامل ضاغط قوي على حكومة الاحتلال لوقف إجراءاتها ومخططاتها لطرد وتهجير سكان حي الشيخ جراح وغيره من الأحياء المقدسية، وهذا يقرب من تحقيق سكان الشيخ من تحقيق انتصار مستحق يمنع طردهم وتهجيرهم من منازلهم وأرضهم المملوكة لهم.

ويبدو أنه بعد طرح القضاة لقانون التسوية باعتبار الساكنين الآن في المنازل المهددة بالطرد والتهجير هم الجيل الأول، وليس من أسكنتهم الحكومة الأردنية عام 1956، يثير جدلاً ونقاشاً واسعين بين أبناء أهالي حي الشيخ جراح والعديد من الجهات والمرجعيات الفلسطينية، وهنا نود الإشارة إلى أن رئيس وزراء الاحتلال طالب الإدارة الأمريكية بضرورة الضغط على الجانب الفلسطيني والعديد من الدول العربية وكذلك أهالي الشيخ جراح من أجل قبول مقترح التسوية، والذي يتضمن اعترافاً بملكية المستوطنين للأرض، وهذا بحد ذاته سيكون له تداعياته على ملكية بقية العائلات المهددة بالطرد والتهجير.

ومن هنا فأنا أعتقد بأن القبول بصيغة يتم فيها وضع الإيجار في صندوق المحكمة دون الاعتراف بملكية المستوطنين للأرض قد يشكل واحد من المخارج للخروج من هذه الأزمة، وهذا القرار والرأي يحتاج إلى أراء ووجهات نظر حقوقية وقانونية ومهنية وسياسية وازنة، وطبعاً سكان الحي عامل رئيسي في أي قرار يجري التوافق عليه… القضية تحتاج إلى رؤيا شمولية وإلى قرار جمعي في مقدمته سكان الحي.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى