أقلام القدس

 الجدار العازل في الضفّة: الإسمنت الذي حاصر دولة الاحتلال ولم يحصّنها

في عام 2002، وافقت حكومة الاحتلال برئاسة أريئيل شارون على بناء الجدار العازل في الضّفة الغربية المحتلة، وقدّمته تحت عنوان أمني وهو حماية المستوطنين من هجمات فدائيّة ينفّذها فلسطينيّون يتسلّلون من الضّفة إلى الدّاخل المحتل عام 1948، ضمن سياق العمليات التي تصاعدت بعد اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، وهي الانتفاضة التي تفجّرت على أثر اقتحام شارون المسجد الأقصى بحماية مشدّدة من قوات الاحتلال.

فرض الجدار تداعيات سلبيّة على الفلسطينيّين فيما أكّدت محكمة العدل الدّوليّة في فتواها الصّادرة عام 2004 عدم شرعيّته، لكنّ هذا المقال لن يتطرّق إلى هذا الجانب بل هو معنيّ بالحديث عن أثر الجدار بالنّسبة إلى الإسرائيليين ومدى تحقيق الهدف منه وفق ما برّرته سلطات الاحتلال عند إقرار بنائه. فبعد قرابة 18 عامًا على القرار وبدء تنفيذه، تتزايد الدلائل على أنّ بناء الجدار لم يحصّن أمن المستوطنين، بل إنّ الثغرات فيه التي يمرّ الفلسطينيّون عبرها أسهمت في تقويض الأمن الإسرائيلي وفق تقرير نشرته “يديعوت أحرونوت”  في 2020/9/22، قال إنّ التقديرات تشير إلى أنّ “عبور العمّال الفلسطينيين من الضفة الغربيّة إلى إسرائيل، عبر ثغرات الجدار، سينتهي بهجوم مسلّح، الأمر الذي يزيد من مستوى القلق لدى الإسرائيليّين”.

وبحسب التقرير، تربط التّقديرات الأمنيّة الإسرائيليّة زيادة ظاهرة دخول الفلسطينيين إلى الداخل المحتلّ بمخالفة القانون، وهو ما يعني انتهاك الوضع الأمني، وتشكيل خطر على الإسرائيليين؛ وهو الأمر الذي يحصل تحت أنظار شرطة الاحتلال والجيش إذ يعبر مئات الفلسطينيين الذين يعملون في أراضي الـ48 كلّ يوم عبر بوابة مفتوحة واسعة، أو عبر ثغرات في الجدار.

ونقل التّقرير عن مستوطنين تصريحاتهم حول القلق الذي ينتابهم من جراء الثغرات وتسلّل الفلسطينيين، إذ إنّهم يكرّرون اتّصالهم بالجيش خوفًا على حياتهم مشيرين إلى أنّ أيّ عامل فلسطيني هو منفّذ عملية محتمل.

ومن الممكن القول إنّ قلق المستوطنين في محلّه، فقد أثبتت انتفاضة القدس (انتفاضة السّكاكين) التي انطلقت في تشرين أول/أكتوبر 2015، أنّ الجدار لم يحل دون تنفيذ العمليّات الفدائيّة ولم يمنعها، إذ تمكّن منفّذو غير عمليّة من تجاوز الجدار والحواجز وتخطّي الإجراءات الأمنية كالعملية التي نفّدها في القدس في 2016/2/3 شبان ثلاثة من قباطية جنوب جنين بالضفة الغربية المحتلة، وكذلك العملية التي نفذها في “تل أبيب” شابان من الخليل في 2016/6/8 بعدما تمكّنا من تخطي الإجراءات الأمنية. كما أنّ بعض العمليات نفّذها فلسطينيون من الأراضي المحتلة عام 1948، منها “عمليّة ديزنكوف” في “تل أبيب” التي نفّذها أحد أبناء عارة في 2016/1/1.

كان بناء الجدار العازل من أبرز تداعيات انتفاضة الأقصى، وكان قرار بنائه مرتكزًا على ذريعة محاربة “الإرهاب الفلسطيني”، ومنع الفلسطينيين من تنفيذ عمليّات فدائيّة في “العمق الإسرائيلي”. وعلى الرّغم من أثره السلبي في الجانب الفلسطيني إلا أنّ ذلك الأثر لا يلغي دلالات بناء الجدار بالنّسبة إلى العقيدة الصهيونية، فدولة الاحتلال التي كانت تتكلّم عن امتداد لها بين البحر والنهر حدّدت مجالها بين أسوار أسمنتيّة وأسلاك شائكة، وعزلت نفسها بالجدار، ما يؤكّد أنّها جسم غريب في المنطقة وإن كان يحاول أن يبدو طبيعيًا وأصيلاً.

إذًا، طغت حاجة الاحتــلال إلى توفير الأمن على حاجته إلى التّمدّد فلملم أطراف “مملكته” الاستعماريّة في محاولة لحماية مستوطنيه خلف خرسانات أسمنتية ظنًّا منه أنّ ذلك سيعصمهم ضدّ العمليات التي قد ينفّذها فلسطينيون في إطار مقاومتها ومواجهة سياساتها، فلم يعصمهم. وعلاوة على ذلك، فقد شكّل الجدار نكوصًا في عقيدة “الجدار-الفكرة” التي أسّس لها زئيف جابوتنسكي، الأب المؤسّس لليمين الصّهيـوني، عام 1923 في مقاله المعنون “الجدار الحديدي”، وهي عقيدة قائمة على تأسيس قوّة عسكريّة قوية ومستقلّة تكون حاجزًا بين اليهـود والعرب، وعلى أن يكون كلّ إسرائيلي جدارًا حديديًا، أي قوّة رادعة قائمة بنفسها. وكان الجدار تراجعًا إسرائيليًا من الرّدع بالقوة إلى الرّدع بالأسمنت، وأهمّ من ذلك أنّه، مع هذه التداعيات، لم يحقّق الهدف الأمني الذي سعى إليه إذ كانت إرادة المقاومة أقوى وأمتن.

واليوم، وإذ نتذكّر انتفاضة الأقصى التي اتخذها الاحتلال ذريعة لبناء الجدار، وانتفاضة السّكاكين التي بيّنت حجم “الثغرات” في الجدار والقدرة على تجاوزها فإنّ من المهم التأكيد أنّ الاحتلال سيضع العراقيل والعقبات والعوائق لمنع كل عمل مقاوم، لكن اصطدام المقاومة بالجدران لا يعني أنّها ستتوقّف عندها بل إنّ المهم هو استمرار الطرق على هذه الثغرات واختراقها حتى تسقط، ويسقط معها الاحتلال.  ولعلّ عجز دولة الاحتلال عن ضمان أمنها وفشل الجدار العازل في توفير الحماية والرّدع هو ما يدفعها إلى البحث عن جدار جديد قد يوفّر لها الأمن وذلك عبر التّطبيع مع الدول العربية الذي تظنّ أنّه سيجبر الفلسطينيين في نهاية المطاف على القبول بها.. لكن إذا فشل جدار الأسمنت، هل سينجح جدار الوهم؟

%d bloggers like this: