انتهاكاتتقارير مقدسيةعاجلمجتمع وثقافة

ماذا يعني إلغاء مسيرة الأعلام بالنسبة للمقدسيين؟

القدس المحتلة – القسطل: تلكؤاتٌ وتردد كثيرُ ساد المشهد”الإسرائيلي” في الفترة الأخيرة، خاصة بما يتعلق بمسيرة الأعلام التي دعت جمعيات استيطانية لإعادة تنظيمها بعد وقفها أول مرة بفعل صواريخ المقاومة، وبعد أن سمحت شرطة الاحتلال بإقامة المسيرة، عادت لتتراجع عن قرارها، ما شكل حالة غضب عن اليمين المتطرف، وشهدت دولة الاحتلال دعواتٍ لاقتحام الأقصى من جمعيات منظمة”الهيكل”، ولكن ما زال المشهد العام يميل نحو إلغاء المسيرة أو توجيهها نحو مسارٍ مختلف.

ولم تأتِ قرارات الاحتلال محض صدفة، فقد أوضح محللون أنه يأخذ بعين الاعتبار تهديدات التصعيد التي أطلقها أهل القدس وأطراف المقاومة الفلسطينية، لذلك فإن إلغاء المسيرة فيما لو حصل يحمل دلالاتٍ عديدة.

للجهد الجمعي وتكاتف الأقطاب دورٌ بارز

أوضح الباحث في الشأن الإسرائيلي محمد هلسة لـ” القسطل” إن إلغاء مسيرة الأعلام لا يتأتى كجهد للمقدسيين منفردين، فهذا جهد جمعي اشترك فيه الفلسطينيين جميعاً في داخل مدينة القدس وفي الضفة الغربية والداخل المحتل وغزة أيضاً، ورأينا ما آلت إليه المواجهة مع هذا الاحتلال، بعد أن تحركت المقاومة في المرة الأولى بعد انتهاك حرمة المسجد الأقصى، وتنفيذ مسيرة الأعلام الأولى، والآن هذه المواجهة أسست معادلة جديدة مع الاحتلال، فما قبل معركة سيف القدس ليس كما بعدها، وهذا مهم جداً في الوعي الجمعي الفلسطيني، واستمرار المواجهة أيضاً على الأرض، في القدس وحي الشيخ جراح وأحياء سلوان أيضاً في هذه المواجهة أيضاً أشعل أكثر من جبهة داخل المدينة، وأبقى حالة السخونة والتوتر حاضرة في ذهن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية والمستوى السياسي الإسرائيلي”.

وأشار هلسة أن نأخذ بعين الاعتبار أن الاحتلال يعيش حالة من الاضطراب وضعف النقاط الداخلية، وضعف النظام السياسي وعدم وجود حكومة مستقرة، وصراع داخلي محموم بين قطبي اليمين، الذي يمثل نتنياهو أحدهما، وبينت ولبيد يمثلان القسم الآخر الذي يسعى إلى سحب البساط من تحت أقدام نتنياهو وإقصائه عن الحكومة والحياة السياسية.

ما هو شعور المقدسيين؟

 أكد هلسة أن المقدسي مُنتشي، وهو في الجولة الأخيرة منذ اشتباكات باب العامود وحتى اللحظة، يشعر أن له سند ونصير في الساحة الفلسطينية بوجه الخصوص، وعلى الساحة الدولية بوجه العموم، وهو يخوض معركته وهو يعلم أن المعادلة تغيرت، وبأن أطرافاً أخرى قد تشاركه في معركته وتُسنده في مطالبه وحقوقه.

وبين هلسة أن الرسائل المختلفة التي وصلت للمستوى السياسي والأمني “الإسرائيلي” فهم يعلمون أن الاعتداء مرة أخرى على مدينة القدس من خلال مسيرة الأعلام الاستفزازية يعني دخول أطراف ممانعة أخرى، ويعني فتح حرب إقليمية، كما أن إعلان أطراف المقاومة أيضاً بأن أي اغتيالٍ لأحد قياداتها سيعني قصف تل أبيب وأيضاً التأكيد بجدية أنها مستعدة لجولة جديدة، وهذه عناصر قوة في يد المقدسي الذي كان يخوض معركته بشكل منفرد سابقاً في المدينة المقدسة، وكنا نرى حالة الحرب الناعمة والتطهير العرقي  الذي كانت تخوضه أجهزة الاحتلال المختلفة السياسية والقضائية والأمنية ضد المواطن الحجر والشجر والتراب المقدسي.

على المـقدسـي أن يطمـئن خـلال معـركتـه 

يقول هلسـة:”إن ما يحدث يعني للمقدسيين أننا سنخوض معاركنا مستقبلاً ونحن مطمئنون في بطن الهوى والشيخ جراح وغيرها من الأحياء المهددة، وعلى المقدسي أن يعلم أنه صاحب اليد العليا وأنه سيكسب المواجهة، وهذا يعطي المقدسيين دفعة قوية على المستوى النفسي، بالتالي كل المحاولات “الإسرائيلية” التي تجري الآن من قمع ووحشية في التعامل مع الإعلام، ومحاولة إسكات الصوت والصورة، ومنعها من الانتقال للعالم، من خلال الاستهداف المباشر للصحفيين والنشطاء الذين يغطون المشهد في داخل مدينة القدس، هي محاولات عبثية، لأن كل هذه العوامل تصنع المشهد في القدس، وتصنع حالة التفوق على المستوى النفسي وعلى المستوى العملي، بأن المقدسي بمجرد إيمانه بإرادته وحقه في المدينة قادرٌ أن يحرف البوصلة المقدسية، وأن يرد كيد هؤلاء الصهاينة ويمنعهم من تنفيذ مخططاتهم”.

للمقدسيين دورٌ استراتيجيٌّ في المعركة

وعن دورِ المقدسيين يشير هلسة لـ “القسطل” إلى أنه “لولا صمود المقدسيين، ووجود هذا الجدار المنيع من الإرادة، ولولا الرهان على حصانة المقدسيين ضد التهويد والتطبيع والأسرلة وتغييب الوعي، لتمكن الاحتلال من تغيير المشهد كاملاً في مدينة القدس منذ سنوات، وهذا الفلسطيني في داخل مدينة القدس محصن وعصيٌ على الاقتلاع، وما يجري يحصن هذه المناعة لديهم، ويؤكد أن هذه جولة من الجولات وأن المراكمة على الفعل ستقود في نهاية المطاف إلى دحر الاحتلال ومنعه من تحقيق أهدافه، وعودة القدس عربية إسلامية لأصحابها الأصليين”.

في ظل انقسامات دولة الاحتلال، هل تحدث مسيرة الأعلام؟

وبالرغم من حالة التناحر داخل المجتمع “الإسرائيلي”، تداول محللون سياسيون إمكانية استغلال بن غيفر لحصانته البرلمانية وبالتالي من الممكن أن يقوم بخطوة مسيرة الأعلام، ويشير هلسة إلى أنه وبسبب وجود تيارين، تيار نتنياهو وجماعات الهيكل التي ستحرص على أن يقلب المشهد وستوظف كل الإمكانات المتاحة وخاصة “بعبع اليمين” المتمثل بـ بن غيفر المتطرف وهو من أعضاء اليمين، الذين لا يملكون سوى الجعجعة والصراخ، ورصيدهم أمام المجتمع “الإسرائيلي” هو فقط إطلاق التصريحات هنا وهناك،  لذلك هم سيستمرون في هذه المساعي وسيضغطون على الحكومة والمستوى الأمني وربما تنجح هذه المحاولات.

كيف يتصرف المقدسي في هذه الحالة؟

وبين هلسة أن هذا الأمر مرهون بمقدرة المقدسيين على إثبات تواجدهم وخلق جدران من الصد والممانعة أمام رغبة هؤلاء، فقد تداعى المقدسيون للإعلان عن تواجدهم ودعمهم للقدس عبر خطباء مساجدهم ونشطائهم على مواقع التواصل الاجتماعي، وأكدوا ضرورة أن يتصدوا لهذه الدعوات، وهذا يأخذه المستوى”الإسرائيلي” في عين الاعتبار.

 أوضح هلسة أن بعض المواقع نشرت صورة بن غيفر أمام شرطة الاحتلال التي منعته من التقدم، وهذا ليس حباً بالفلسطينيين، وليس وقوفاً ضد بن غيفر وضد المتطرفين، بقدر ما هو شعور بمدى خطورة الموقف، وبأن أي تصرف مستهتر من قبل المستوى السياسي الأمني والشرطي قد يجر المنطقة لنقطة اللاعودة، ويفجر الأوضاع مجدداً، وهو ما لا تريده الإدارة الأمريكية والوساطة المصرية وأطراف دولية أخرى، وهو ما لا يريده أيضاً بيني غانتس وأقطاب حكومة التغيير المنشودة، التي تسابق الزمن لعرض الحكومة على الكنيست وإقرارها.

مرحلة حساسة جداً واليقظة مهمة 

وربما تكون الـحكومة الجديدة أشد تطرفاً من الحالية، ولكنها في هذه الظروف والأجواء ليست معنية بالسماح لنتنياهو تخريب هذا المشهد من خلال تفجير المنطقة داخل القدس، لذلك يقول هلسة:” سنشهد أن بيني غانتس من خلال موقعه كوزير الدفاع سيمنع هؤلاء وسيضغط على الأجهزة الأمنية المختلفة الشاباك والشرطة والأمن الداخلي، لردع المستوطنين من تنفيذ مآربهم، لأنهم لا يملكون سوى الصراخ والعويل، وسيستمرون فيها”.

والمهم جداً والمطلوب الآن منا كفلسطينيين أن نكون منتبهين متيقظين، وألا نطمئن وننتشي لدرجة النوم في هذه المرحلة، لأنها مرحلة حساسة بالتأكيد، وهي تُأَسِس لقادمٍ جميلٍ في تاريخ ومسيرة القضية الفلسطينية حسب وصف هلسة. 

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى