هدمُ سورٍ أثري في أرضٍ تتبع للأرمن … شكوكٌ حول تسريبِ الأرضِ لبلديةِ الاحتلال

القدس المحتلة-القسطل: يبدو أن المساعي التي يبذلها الاحتلال لم تقف عند تهجير سكان حي الشيخ جراح وأحياء بلدة سلوان، فقد دار الحديث عبر منصات التواصل الاجتماعي عن نيته أيضاً بإقامة مخططٍ استيطاني في بلدة لفتا، والواضح أن ما يجري هو تهويدٌ جماعي لأراضي القدس، وأيضاً تشتيتٌ للانتباه الفلسطيني، فلا يلبث المقدسي اليوم أن يلتقط أنفاسه جراء انتهاكٍ وتهديد منطقة بالتهجير، حتى يلطمه الاحتلال بكفِ استيلاءٍ على منطقة أخرى، وربما يسعى الاحتلال لصرف الانتباه عن أراضٍ يستولي عليها من خلال إشغال المقدسيين بقضايا اقتحامات الأقصى وتهجير المواطنين من أحياء سلوان والشيخ جراح.

واليوم انتشرت صورٌ لقيام جرافات الاحتلال بهدم سورٍ تاريخيّ مقامٍ في أرضٍ تتبع للحي الأرمني في القدس المحتلة، ووردت أنباءٌ عن اتفاقية غير معلومة التفاصيل بين بطرك الأرمن وبلدية الاحتلال لاستخدام الأرض بما يلبي حاجة مستوطني البلدة القديمة، ومع أهمية كل شبرٍ في القدس، فإن هدم السور في هذه الأرض يؤدي لتعرية المنطقة الغربية من جدار القدس بالكامل لصالح المستوطنين، ما ينذر بخطر محدق على المقدسيين.

للوقوف على تفاصيل الاتفاقية التي أبرمها بطرك الأرمن مع الاحتلال لاستغلال هذه الأرض، القسطل تحدثت إلى الباحث في جمعية الدراسات العربية مازن الجعبري الذي قال:” قبل أشهر قليلة، في بداية عام 2021 على وجه التحديد، أبرم بطريك الأرمن اتفاقية عن طريق المحامي مازن قبطي وهو محامي الأرمن، وجاءت هذه الاتفاقية لتحويل أرضٍ تتبع للأرمن، وموقعها مقابل الدير على جدار القدس من الجهة الغربية قرب مركز شرطة القشلة، وهي مقابل مدخل دير الأرمن في باب الخليل، وقد كانت الأرض كمَصفِّ سياراتٍ لهم، وكانت هناك مشاورات فيما بعد أن يصبح هذا المصف ملعباً يتبع للحي الأرمني، ولكن ما حدث هو أن البطريك والمحامي أبرموا اتفاقية مع بلدية الاحتلال، وادعوا أنها اتفاقية تأجير لمدة عشرِ سنوات لبلدية القدس، لأجل أن تستخدمها البلدية كمصف سيارات لها، وبالتأكيد المستفيد منها في هذه الحالة سيكون المستوطنين القاطنين في حارة اليهود”. 

وأضاف:”قدمنا من جهتنا احتجاجات ضد هذه القضية، ولكنهم أصروا أن الأمر برمته متعلقٌ بعدم قدرة الأرمن على إصلاح الأرض، وأن فعلتهم هذه المتمثلة بتأجير الأرض هي لأجل إصلاحها، وحاولوا طمأنتنا بقولهم أن استرجاع الأرض سيكون بعد 10 سنوات من الآن، ولم يطلع أحدٌ على الاتفاقية ولم يرَ أحدٌ بندوها، ولا نستطيع التنبؤ بمدى صدق قولهم هذا، وفي كل الأحوال يؤسفنا أن هذه الأرض التي سُلمت لبلدية الاحتلال هي ضمن أراضي القدس المحتلة وهذا التصرف مرفوض تماماً”.

وبين الجعبري للقسطل أن المشكلة الأخرى التي حصلت وكانت منافية للأخلاق، هي ما فعله بطريك الأرمن في منتصف رمضان، حيث تقمع قوات الاحتلال الشبان في باب العامود والمسجد الأقصى من جهة، وأهالي الشيخ جراح يعتصمون خشية ترحيلهم من جهة أخرى، وخلال هذه المعركة المؤسفة مع الاحتلال، انطلقت احتفالات على الأرض التي سُلمت لبلدية الاحتلال، ليس هذا وحسب فقد رُفعت فيها أعلام الأرمن و(إسرائيل) بحضور كلٍّ من رئيس البلدية وبطريك الأرمن، وقد كان من المستنكر أن نخوض نحن معاركاً مع الاحتلال من جهة، و بطريك الأرمن يقوم بالاحتفال لتسليم أرضهم من جهة أخرى. 

وأوضح الجعبري:”لأن الظروف كانت صعبةً في القدس آنذاك، أجلنا الحديث مع الأرمن حتى تزول الهبة، لكننا اليوم تفاجأنا قيامَ بلدية الاحتلال بهدم جدارٍ قديمٍ حجريٍّ تاريخيّ أثري، وتواصلنا مع المعنيين منهم، لكنهم برروا أنهم كانوا بالأصل ينوون هدم هذا الجدار لكن لم تتوفر الإماكانات المادية لذلك، فجعلو هدم الجدار ضمن اتفاق إيجار الأرض مع بلدية الاحتلال، وهذا الأمر أثار أسفنا وتحفظاتنا لأن هدم الجدار يعني فتح كل المنطقة على حارة اليهود، إذاً هناك مخططٌ ما ولا أحد يخبرنا ما الذي يحدث، والواضح أن هناك تواطئٌ من بطريك الأرمن ومحامي البطركية ومدير الأملاك مع بلدية الاحتلال، لأن كل المناطق التي تحيط بهذه الأرض استيطانية وتحيط بحارة اليهود، وهذا ينذر بخطرٍ كبيرٍ داهم”.

وذكر الجعبري للقسطل ما جرى في مفاوضات عام 2000 بين الرئيس الراحل ياسر عرفات وإيهود باراك، حيث  قال الأخيرُ أن الأرمن سيكونون ضمن السيادة الإسرائيلية، وكانت المخططات حينها تقسيمَ البلدة القديمة، لكن أبو عمار اتصل بفيصل الحسيني حينها وقررا أن يبقى الأرمن مع الشق الفلسطيني، وكان الهدف هو وحدة الفلسطيني والأرمني، واستنكر الجعبري ما حصل اليوم قائلاً:” بأي حق يقوم بطرك الأرمن اليوم في 2021  بتسريب قطعة أرض فلسطينية في أرض محتلة، لبلدية الاحتلال، رُغم معرفته نوايا الاحتلال بالتهويد والتغول في الأرض الفلسطينينة بالقدس المحتلة؟ وهذا العمل لا يمكن وصفه سوى بـ الاستفزازي لكل فلسطيني”.

وطالب الجعبري الأصوات الحرة الوطنية من الأرمن أن يكون لهم صوتٌ واضح بخصوص هذه القضية لتوضيح ما يحصل، سواءً في القدس أو من دولتهم في أرمينيا، لأن الأرمن وغيرهم من الطوائف يتبعون لدولهم في الخارج، لذلك فقد طالب دولهم الضغط على بطريك ومحامي البطركية  لكشف الحقيقة وكشف بنود الاتفاقية، مع تبريرٍ واضحٍ لمَ تم تأجيرها لبلدية الاحتلال، ولماذا لم يأتوا  برجال أعمال من الأرمن أو غيرهم للاستثمار في الأرض بشيْءٍ يفيد الأرمنيين، بدل أن تُعطى للمستوطنين، كذلك الأمر أكد الجعبري أن عليهم تقديم توضيحٍ لرفع علم الأرمن بجانب العلم الإسرائيلي، متسائلاً:” أليس الأرمن ضيوفاً على هذه الأرض المحتلة وجزء أصيلٌ منها؟ إذاً لماذا هذا التصرف المُشين من قبل البطريك ومحامي البطركية؟ وما الداعي منه؟”

وأوضح الجعبري أن بعضاً من سكان حي الأرمن تواصلوا معه مؤكدين رفضهم التام لما حصل، وصرحوا رفضهم التام لسياسة البطريك المتماشية مع (الإسرائيليين)، وأكد الجعبري أنهم ليسوا قادرين على التكلم وطرح وجهة نظرهم على العلن خوفاً من طردهم من داخل دير الأرمن، ولكنهم أوصوا الجعبري بإيصال رسالتهم ورفضهم لهذا العمل، الضار بالفلسطينيين ووجودهم في البلدة القديمة، كذلك فقد اعتبروا أن توجهات البطريك منحازة (للإسرائيليين)، وبينوا أن الأرجح وجودَ صفقات مالية يستفيد منها البطرك”.

وبناء على ذلك فقد ناشد الجعبري القادرين من سكان حي الأرمن إدانة هذا الفعل والوقوف في وجهه، معتبراً أن الفلسطينيين  والأرمن شعبٌ واحد يعيشون مع بعضهم البعض منذ عقودٍ طويلة، لذلك عليهم أن يضغطوا باتجاه أن يُكشف النقاب عن تفاصيل هذا الاتفاق.

وتعتبر حارة الأرمن أحد الأحياء الموجودة في الجنوب الغربي من البلدة القديمة لمدينة القدس، ويقطنها سكان الأرمن المسيحيين والذين يعتبرون أنفسهم من الفلسطينيين، وهناك ديرٌ قديم في الحي، يقع في جنوب البلدة القديمة ويطل على باب النبي داود، كما يتكون الحي من مجموعة من البيوت، التي كانت في السابق للحجاج المسيحيين، وأصبحت لاحقاً بيوت مؤجرة للأرمن، حيث يعود وجودهم في فلسطين للقرن الرابع الميلادي، ولا يزيد عددهم اليوم عن 200 شخص.

زر الذهاب إلى الأعلى