دلالاتٌ على حدّ “سيف القدس”

بكثير من الذلّ رضخت دولة الاحتلال لشروط المقاومة الفلسطينية عندما رفضت الأخيرة أن توقف إطلاق النار قبل أن يتوقّف العدو الذي ظنّ أنّ في تمديد الحرب ما سيجعل المقاومة تركع أو حاضنتها تستسلم، إلا أنّه وجد أنّ في المزيد من الحرب مزيدًا من الخسائر له، وفشلاً في القدرة على توفير الأمن للمستوطنين، فيما ظلّت المقاومة قادرة، حتى اللحظة الأخيرة، على إطلاق الصواريخ وضرب المستوطنات واستهداف المدن الفلسطينية المحتلة عام 1948، بل أكّدت أنّها مستعدة لأشهر من الحرب.

وقدّر إعلام الاحتلال إطلاق المقاومة نحو 3800 صاروخ خلال 12 يومًا مقارنة بنحو 4600 صاروخ أطلقتها على مدى 50 يومًا خلال عدوان الاحتلال على القطاع عام 2014، وهذا ما يعكس تنامي قدرة المقاومة ومراكمتها القوّة على مدى سنوات من الحصار والحروب التي تركّزت أهدافها على شلّ المقاومة وتحويلها إلى حارس لبقايا سلاح لن تتمكّن من استخدامه أو حيازة المزيد منه وفق ما كان يأمله الاحتلال.  

ومع وقف إطلاق النار، لم تهدأ المقاومة، بل كانت حريصة على أن يعلم العدوّ والصديق، أنّ السيف الذي استلّته من غمده دفاعًا عن القدس سيظلّ جاهزًا ليضرب من جديد إن عاد الاحتلال إلى عدوانه على القدس والمقدّسات. وفي هذا السياق، أكّدت الغرفة المشتركة لفصائل المقاومة، في 21/5/2021، أنّ “أيادينا على الزناد ولمعركتنا فصول لم تكتب بعد، وأنّ منطق العربدة والعنجهية لن يواجه إلا بالصمود والردّ والتحدي” وأنّه “على كلّ الأطراف المعنية أن تلجم الاحتلال عن عدوانه على أهلنا ومقدّساتنا وشعبنا في القدس والشيخ جراح وغزة والضفة وفي كل أماكن تواجد شعبنا، وإلا فإنّ المقاومة ستكون لها كلمة الفصل ولن تقف مكتوفة الأيدي أمام أيّ عدوان وظلم وحصار وعربدة للاحتلال“، مع التشديد على استمرار التحضير والاستعداد لما بعد معركة سيف القدس“.

في أولى نتائج المشهد، بل حتّى قبل أن يذعن الاحتلال لوقف إطلاق النار، تمكّنت المقاومة من أخذ المبادرة وفرضت توقيت بدء المعركة، وسجلت انتصارًا بارزًا عندما رفدت الإرادة الشعبية والرباط في الأقصى لتفرض على الاحتلال إغلاق المسجد ومنع الاقتحامات في وجه المستوطنين حتى في أعيادهم التي باتوا يتطلّعون إليها كمحطة لتصعيد اعتدءاتهم على المسجد ومراكمة إنجازات جديدة تمكّنهم في نهاية المطاف من إجبار حكومتهم على السماح لهم باقتحام الأقصى في كلّ الأوقات وأداء شعائرهم وصلواتهم التلمودية فيه من دون قيود.

وفي حيّ الشيخ جراح، فرضت المقاومة على الاحتلال، الذي كان مستشرسًا في قرار تهجير العائلات المقدسية من منازلها في الحي، أن يؤجّل اتخاذ القرار النهائي بخصوص الاستئناف المقدّم من العائلات المهدّدة بالتهجير، الذي كان الاحتلال حدّد يوم 10/5/2021 مهلة أخيرة لهذه العائلات للتوصل إلى اتفاق مع المستوطنين خلاصته التنازل عن حقّهم في منازلهم.

في دلالات المعركة وتطوّراتها، ثبت أولاً فشل سياسة الاحتلال في لجم المقاومة وضرب حاضنتها الشعبية في غزة، فالحصار الذي فرضه الاحتلال على القطاع، ثمّ سانده بحروب إجراميّة، إضافة إلى الضغط السياسي والأمني والعسكري الذي انخرطت فيه جهات مختلفة، كان الهدف منه استنزاف قدرات المقاومة ومنعها من تطوير سلاحها، وإشغال القطاع بهمومه المعيشيّة وبمحاولة النجاة في ظلّ الحصار الخانق والخوف من حرب جديدة يفرضها الاحتلال.

وبيّنت الجولة الأخيرة من المواجهة أنّ الاحتلال فشل في تقسيم فلسطين التي توحّدت حول القدس لدفع العدوان عنها. وفيما تصدّرت غزة مشهد الدفاع عن القدس والأقصى، فقد اشتبكت الضفة مع العدو في نقاط التّماس، وهبّ الداخل المحتل نصرة للقدس ودفاعًا عنها، وكانت مشاركة فلسطين، من البحر إلى النهر، في إضراب الكرامة يوم 18/5/2021، من أبرز تجليّات وحدة الموقف، واتحاد الجبهات.

وعلاوة على ذلك، فقد أكّد الشعب الفلسطيني في الداخل المحتل عام 1948 وفي أراضي الـ67 أنّه مع خيار المقاومة التي تحميه، وتدافع عن مقدّساته، وتجبر العدو على إعادة تقييم حساباته، بعد أعوام حاول فيها الداعمون لمسار التسوية والمفاوضات أن يسوّقوا لمسارهم كخلاص للشعب الفلسطيني فشجّعوا الاحتلال على مزيد من الاعتداءات في القدس والأقصى وعلى مستوى مشاريع الأسرلة والتّهويد.

كذلك، فإنّ مشهد الآلاف في دول العالم يشاركون في تظاهرات ضدّ الاحتلال وجرائمه وتضامنًا مع فلسطين وشعبها أكّد أنّ “الشعوب ليسوا على دين حكّامهم”، فالتظاهرات خرجت في الولايات المتحدة وفي دول أوروبية داعمة للاحتلال رغم أنّ الشرطة في عدد من الدول عمدت إلى قمع المتظاهرين والاعتداء عليهم لتفريقهم، وشهد الأردن مطالبات بفتح الحدود مع فلسطين المحتلّة وبإسقاط اتفاقية الغاز مع الاحتلال وطرد السفير الإسرائيلي.  

إذًا، “سيفُ القدس” فلّ “حارسَ الأسوار” وهزمه، وعرّى فشل الاحتلال وأظهر عجزه عن حماية مستوطنيه، وأكّد كذلك  أنّ القدس هي البوصلة وأنّ خيار المقاومة ليس خيارًا هامشيًا بالنسبة إلى الفلسطينيين الذين عاينوا ما أدّى إليه مسار التسوية من تنازلات وخسائر والعجز عن لجم الاحتلال وتغوّل سياساته الاستيطانية واعتداءاته على القدس والمقدسات وإصراره على طرد الفلسطينيين من أرضهم. ولا شكّ في أنّ فلسطين ما بعد “سيف القدس” ليست كما قبلها بل هي شاهدة على زمن جديد لبداية نهاية النكبة.  

 

زر الذهاب إلى الأعلى