احذروا فمعركة باب العامود لم تنته.. ما الجديد الذي يقوم به الاحتلال؟

القدس المحتلة – القسطل: خلال المواجهات التي شهدها باب العامود مؤخرا صرح رئيس بلدية الاحتلال القدس موشيه ليون بأنه لن يسمح لمن أسماهم بـ “المتطرفين” بتعكير صفو “العيش المشترك” في المدينة، مثمنا دور شرطة الاحتلال في “محاولتها الحفاظ على الاستقرار والهدوء في القدس”. ينسجم تصريح ليون مع الخطاب “الإسرائيلي” في سياق الهبة الأخيرة، والذي حيّد الشرطة كعامل مواجهة، وقسّم المقدسيين بين فئتين: متعايشون، ومتطرفون يثيرون الشغب. 

فعاليات برعاية موشيه

خطاب ليون ليس غريبا على المؤسسة “الإسرائيلية” التي باعترافه – رئيس بلدية القدس – سعت في السنتين الأخيرتين لخلق نموذج من “التعايش المشترك” من خلال المشاريع الاقتصادية والثقافية. هذا يؤكد ما طرحناه في سياق هذا التقرير حول تحييد الإنسان سياسيا وقيميا داخل حيزه، عندما يتعذر طرده بقوة السلاح، ما يدفع المنظومة الاستعمارية لتفعيل أسلحة لا تقل خطورة عن تلك التي تصيب أجسادنا، لتصيب وعينا. 

والتقى ليون خلال الهبة – وفق ما هو منشور على موقع بلدية الاحتلال – وخبراء ومختصين من كل القطاعات والمجالات من بينهم اقتصاديون ورجال دين بالإضافة إلى ممثلين عن “الأذرع الأمنية الإسرائيلية”، والذين أكدوا في نهاية اجتماعهم التقييمي على ضرورة التركيز على مبادئ “التعايش” والضخ في هذا الاتجاه، “وهذا ممكن”.

وتكشف بعض الفعاليات التي أُجريت في باب العامود بعد انتصار المقدسيين انعكاسا مباشرا لخطاب بلدية الاحتلال بشأن مسألة تقسيم المقدسيين بين “متطرفين” وآخرين “متعايشين”. تقول الصحافية هنادي قواسمي وشهود عيان لـ القسطل إنهم تفاجأوا في “فعالية أمس الدينية في باب العامود” أن أحد المتحدثين قام بمخاطبة الشبان المقدسيين المتواجدين بأن من “يشتبك مع الشرطة خلال الفعالية هم الطابور الخامس”.

وبحث موقع القسطل في حقيقة تمويل بلدية الاحتلال في القدس لبعض الفعاليات في باب العامود، فوجد منشورا مرفقا بمقطع فيديو لإحدى الفعاليات عبر الحساب الرسمي لعضو البلدية لورا وارتن جاء فيه: “احتفال بلا حواجز! رمضان كريم وسيستمر هذا الجو في جميع أنحاء المدينة. تهانينا لبلدية القدس، وإدارة الثقافة والترفيه، ولا سيما الرائع أسامة غنايم على هذه المبادرات”.

الانتصار حدث.. والمعركة سردية مستمرة

في 26 أبريل الجاري أعلن المقدسيون عن انتصارهم في المواجهة التي بدأت مع إجراءات الاحتلال مع أول يوم في شهر رمضان (13 أبريل). دفع المقدسيون في غمار هذه المواجهة مئات المعتقلين والمصابين قبل أن تقرر شرطة الاحتلال إزالة حواجزها وسواترها الحديدية من باب العامود وتسمح بتجمعات المقدسيين في المكان. 

لكن الاحتلال الإسرائيلي لا يملّ من ابتكار أساليب مواجهة جديدة في معركته مع المقدسيين، وكلما فشل في أسلوب أو مسار في سياق هذه المواجهة، لجأ لابتكار آخر، وهذا مرده إلى فشله في تفريغ سكان المدينة من المقدسيين من ارتباطاتهم الوطنية رغم كل محاولاته السياسية والقانونية والأمنية والثقافية. ولأن التفريغ والتهجير المادي للسكان صداه مدوٍ في العادة، لا بدّ – من منظوره – من تحييد الإنسان داخل حيزه، بما يلغي حقيقته كفاعل سياسي.

ويبدو أن هبة باب العامود جاءت لتثبت لنخبة الاحتلال المثبت، فالإجراءات الخشنة لا يمكن أن تحقق أهدافها ضد المقدسيين، لأنهم بحكم هويتهم الحادة التي تشكلت في ظروف معقدة مركبة وطنيا واجتماعيا واقتصاديا، غير قابلين للكسر أمام الهجوم المباشر. وكما في كل مرة، يلجأ الاحتلال في ضوء نتائج هذه الهبات إلى المواجهة الناعمة مع الوعي الجمعي المقدسي، وهي منهجية تبناها الاحتلال استراتيجيا في ضوء قراءته المكثفة لحقيقة الوجود المقدسي وجوهره. 

فرح بترخيص “إسرائيلي”

ويحذر رئيس الهيئة المقدسية لمقاومة التهويد ناصر الهدمي في مقابلة مع القسطل من بعض الفعاليات – حتى وإن أخذت الشكل الديني – لأنها تتم من خلال موافقة بلدية الاحتلال الإسرائيلي، وكأن الهدف منها هو إثبات أن الاحتلال لا مشكلة لديه بالاحتفالات وإقامة الشعائر لكن بموافقته، وهذا يتنافى مع فكرة فرض السيادة الفلسطينية على باب العامود، والتي كانت نتائج هبة القدس الأخيرة إحدى تجلياتها. 

ويوضح الهدمي أن الخطورة الأخرى تكمن في الخطاب الذي يهاجم الشبان المقدسيين خلال هذه الفعاليات، والذي يُراد منه افتعال المشاكل الداخلية بين المقدسيين، في ضوء الاستعدادات المستمرة لمواجهة الاقتحام الكبير للمسجد الأقصى، والذي أعلن المستوطنون عن نيتهم القيام به في الـ 28 من شهر رمضان المبارك. 

وقال الهدمي إنه لا شك أن هناك جهات مشبوهة تريد بث الفرقة في الشارع المقدسي قبل 28 رمضان، وتسعى لإحباطه، وبالتالي من حقي أن أنظر بشك وريبة تجاه بعض الفعاليات التي أقيمت هناك، ومنها تلك التي لم تراع حرمة شهر رمضان المبارك. 

ويرى الأكاديمي والباحث المقدسي محمد هلسة في مقابلة مع القسطل – بحكم اطلاعه ومتابعته – إن هناك ترتيبا خفيا في القدس بين بعض القيادات منها بعض المحسوبين على ما يسمى “لجنة التواصل مع المجتمع الإسرائيلي” وبلدية الاحتلال وشرطته، من أجل تخفيف حدة التوتر في القدس وتحديدا في باب العامود، وهذا قد يفسر قيام الاحتلال بتمرير بعض الفعاليات والإشراف عليها. 

ويتفق هلسة مع الهدمي أن هناك من يحاول خلق حالة من الفتنة الداخلية بين المقدسيين من أجل تشتيت الشارع المقدسي قبل الـ 28 رمضان، مؤكدا أن هناك أطرافا دخلت على خط هبة القدس من أجل تجيير ما جرى بطريقة عكسية لا تصب في صالح المقدسيين، وأن بعض الظواهر العفوية ولكن هناك جزءا مدروسا من هذه الفعاليات.

وفي السياق يؤكد الباحث المقدسي مازن الجعبري لـ القسطل أن الاحتلال لم يستوعب حتى اللحظة الانتصار المقدسي، ولذلك لجأ إلى إدخال أدوات جديدة للمعركة، اجتماعية وثقافية، وصل حد الاستعانة ببعض الفرق الدينية وغيرها من أجل إقامة الاحتفالات والفعاليات في باب العامود.

وكشف الجعبري عن وجود جهد لمواجهة هذه الفعاليات من خلال خطة وطنية فاعلة، وهو ما يفسر حقيقة رفض الشبان لإقامة فعالية رمضانية في واد الجوز، مشيرا إلى أن التركيز “الإسرائيلي” في هذه المرحلة ينصب على باب العامود، وهو ما يستوجب وعيا وإدراكا لحقيقة ما يجري. 

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى