فادي العيساوي.. شهيدٌ صائم هبَّ غضباً لمجزرة الحرم الإبراهيمي

القدس المحتلة – القسطل: “فادي العيساوي استشهد لا تفكر دمه راح “، تلك هي إحدى عبارات راب (شهداء العيساوية) الذي غنته فرقة راب العاصمة، وانتشر في الأوساط الشبابية المقدسية، وتساءل العديد من المتابعين عن أسماء من وردوا ضمن كلماته، ومنهم الشهيد فادي العيساوي، الذي لا يزال ذكره حيّاً لدى شباب العيساوية، فمن هو فادي العيساوي، وما هي قصة استشهاده؟

فادي العيساوي وعائلته المناضلة

بصوتٍ يملؤه الإيمان بالله والتوكل عليه، وشوقٌ للشهيد، تحدثت السيدة ليلى العيساوي (أم رأفت) عن ابنها الشهيد، فادي العيساوي، قائلةً: ” أنا والدة الشهيد فادي العيساوي، و6 من أولادي وبنتي أسرى، أو سبق لهم الأسر في سجون الاحتلال “، ولكن ما يخفى عن الكثير أنّ الشهيد فادي العيساوي، هو شقيق الأسير سامر العيساوي، والأسيرة المحررة شيرين العيساوي، والأسيران المحرران من سجون الاحتلال مدحت ورأفت، تقول أم رأفت: ” دوماً وفي كل جولات محاكمة أبنائي كنت أهتف كل أولادي فداء القدس والأقصى “.

الشهيد فادي العيساوي في سطور 

تقول أم رأفت العيساوي لـ القسطل إن ابنها الشهيد فادي كان هادئ الطباع، وهذا الأمر كان ملحوظاً في طبعه، وقالت أم رأفت وهي تغالب دموعها، كان فادي متفوقاً في مدرسته، وقالت: ” كان ما بعارض على أي مصروف بعطيه إياه، أو أيّ لبس بلبسه إياه، الله يرضى عنه ويغفر له “.

ولد الشهيد فادي العيساوي في بلدة العيساوية، شمال القدس المحتلة، عام 1978، ودرس في مدارسها، وعايش شهيدنا الانتفاضة الفلسطينية الأولى، طفلاً ذو 10 سنوات، وعايش تعسف الاحتلال وظلمه للمقدسيين، ولأهالي العيساوية، ولكن وخلال سنوات الانتفاضة الأخيرة، كان فادي على موعدٍ مع يومٍ استثنائي، يوم 16 رمضان، في العام 1994.

وفي العام 1992 اعتقلت قوات الاحتلال الشهيد فادي العيساوي، وهو لا يزال في ال 14 من عمره، بزعم رشق قوات الاحتلال بالحجارة، وتم الحكم عليه بالسجن لمدة سنة ونصف، وخرج من سجون الاحتلال قبل استشهاده ب3 أشهر.

عيد ميلاد ولكن في الجنة

استفاقت فلسطين، والعالم العربي والإسلامي، في يوم 15 رمضان، من العام 1994، على وقع مجزرةٍ مروعة نفذتها عصابات المستوطنين الصهاينة، بقيادة المجرم الهالك (باروخ غولدشتاين)، ومساندة قوات جيش الاحتلال الصهيوني، في الحرم الإبراهيمي، في مدينة الخليل المحتلة. امتدت المجزرة طوال يومٍ كاملٍ في مدينة خليل الرحمن، وارتقى خلالها 33 شهيداً من أبناء الخليل، لتتفجر بعد المجزرة بيومٍ فعاليات الرفض والغضب في كافة أرجاء فلسطين المحتلة، والعالم العربي والإسلامي.

في يوم 16 رمضان، من ذاك العام، كان فادي العيساوي، ذو ال 16 ربيعاً، ممن هبوا غضباً، وخرج ضمن مسيرةٍ سلميةٍ في محيط بلدة العيساوية، شارك فيها المئات من أبناء البلدة، تصف أم رأفت ذاك اليوم، قائلةً: ” كانت المجزرة صدمة إلنا في فلسطين، كل الناس صارت تبكي، وأنا صرت أبكي، وحكالي فادي يومها: (يمة إنت بتبكي على ناس بتعرفيهمش، كيف لو يصير هالحكي عنا في البيت؟) “.

في صباح ذاك اليوم، وعلى الرغم من إصابة الشهيد فادي بنزلة برد، حضر أصدقائه ليخرج معهم، وانطلق الشهيد فادي، واغتسل، وطلب من أمه ملابساً جديدة، لم يسبق له ارتدائها، وتقول أم رأفت: ” كنت جايبة إلو لعيد ميلاده قميص جديد وبنطلون وبوت، وطلب مني حتى أواعي داخلية جديدة، وتحيّرت من أمره، وكنت دايماً بحتفظ بملابس داخلية جديدة بدخلها لولادي في السجن فأعطيته منهم “.

تفجرت المسيرات يوم 16 رمضان، من العام 1994، في القدس، غضباً لشهداء الخليل، وكان الشهيد فادي ممن خرجوا في تلك المسيرات الشعبية، كان يوم المسيرة بالتاريخ الميلادي 26/2/1994، وتقول أم رأفت: ” كان يوم عيد ميلاده قبل استشهاده بأكم من يوم، بس تعب ونزلت لوزه، وقررنا نعمل احتفال عيد ميلاده، في نفس اليوم اللي استشهد فيه، كنت محضرة إله كل الحلويات والأكلات اللي طلبها، حتى طلب من أعمله أكل على الفطور محشي جزر، ومحشي خيار، عشان بنطبخو في التمر الهندي، وبكونو  حامضين، وقال لي: (خليها يمة تنفتح منافسنا ونوكل “، كانت أم رأفت تعد كل ما طلبه منها الشهيد فادي من مأكولات وحلويات، ولكنّ وفي تمام الساعة الثانية ظهراً، بدأ الجيران يتوافدون لمنزل أبي رأفت، دون أن يشعروا أم رأفت بأنهم يعلمون خبر استشهاده، إذ أصيب فادي برصاصة (دمدم) حارقة متفجرة أطلقتها قوات ” حرس الحدود ” الصهيونية تجاهه، وتم إسعافه لمستشفى المقاصد، ولكنه ارتقى شهيداً قبل أن يصل المستشفى.

حضر ابن عم الشهيد فادي العيساوي، وأخبر أم رأفت بأن تتجهز للخروج معه لمستشفى المقاصد، لأن فادي قد أصيب برصاص الاحتلال المطاطي، ولكن أم رأفت استغربت من ذلك فأخو الشهيد فادي سبق له وأن أصيب أكثر من 18 مرة برصاص الاحتلال المطاطي، وتمت معالجته في البيت، وقالت: ” ليش توخدوه على المستشفى هلئ الشرطة بتجي وبتعتقله “، ومع إصرار ابن عمه غادرت أم رأفت مع ابن عم الشهيد، ومع وصول السيارة لمنتصف الطريق، كان موكب السيارات التي تقل جثمان الشهيد، وأحبابه، في الطريق، ولغاية تلك اللحظة وأم رأفت لا تعلم باستشهاد ابنه، وعلى أملٍ بأن تلقاه، ولكن الجموع المتواجدة، أشعرتها بالقلق، ولكن وعند بيت جد فادي، وبعض أن وضع جثمان الشهيد هناك، علمت أم رأفت بارتقاء فلذة كبدها، وتقول أم رأفت، وصوتها تخنقه الدمعات: ” شفته وكان وهو مستشهد غاط بالدم، وأنا هون هجمت عليه وصرت أبوس فيه وأبكي، ما كنت أتوقع بيوم من الأيام إنه فادي يستشهد، ولكن إرادة الله فوق كل إشي “، تم دفن الشهيد بسرعة، كي يحتضن تراب العيساوية، ولا تمتد له يد الاحتلال الغاشمة، وتحتجز جثمانه، وما بين استشهاده ودفن جثمانه استغرق الأمر ساعتين، وكأن فادي كان في شوقٍ للشهادة، إذ تقول أمه: ” كان فادي دايماً يحكيلي، أنا راح أروح عل الجنة، أنا بدي أروح عل الجنة، لا تزعلي يمة لو جيتك يوم بأمبلانص، وكأنه كان بعرف إنه رح يستشهد “.

الشهيد فادي العيساوي أيقونة شباب العيساوية

لا يغيب ذكر الشهداء عن أهالي العيساوية، فهي بلدة الشهداء، وهم من يذكون جذوة الصمود والرباط فيها، وهم خروبتها المتجذرة، يقول الناشط الشبابي المقدسي، وابن العيساوية، محمد مصطفى: ” احنا لما نحكي عن شهيد بنحكي عن حاله وطنيه بتجسد معاناة الشعب الفلسطيني وبتزيد ترابط الشعب بقضيته وبأرضه وبوطنه “.

وتابع مصطفى: ” الشهيد إلو مكانه خاصة بقلوبنا، وبقلب كل فلسطيني حر، لأنو الشهيد مش مجرد رقم، الشهيد حالة وعي لشعب قدم وما زال بقدم لهاي الارض والقضية “.

وختم محمد مصطفى كلامه قائلاً: ” كابن بلده العيساوية والي قدمت الشهداء والأسرى والجرحى على مدى سنين نضال شعبنا، وما زالت تقدم، وكان أخرهم الشهيد محمد سمير عبيد، هاي القرية العصية على الانكسار علمتنا إنو الشهيد هو الوطن، هو القضية، ولذلك الوفاء للشهداء وعائلاتهم هو دين وواجب وطني وأخلاقي “.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى