الهبة المقدسية.. الأسباب والأهداف والسياقات والنتائج

القدس المحتلة – القسطل: دخلت مدينة القدس مرحلة تحول مهمة لكسر حالة الجمود التي أصابت الشارع الفلسطيني منذ أكثر من عامين بسبب تفشي جائحة كورونا، ومع تزايد الاقتحامات “الإسرائيلية” للمسجد الأقصى المبارك بشكل شبه يومي والاغلاقات التي فرضت على منطقة باب العامود والنداءات “الإسرائيلية” المطالبة بحرق العرب في المدينة اشتعلت شرارة الأحداث منذ بداية شهر رمضان المبارك.

وقد أشار الأكاديمي والباحث في الشأن الإسرائيلي والمقدسي محمد هلسة خلال حديثه مع القسطل إلى أن الهبة المقدسية تأتي بصورة عفوية صادقة، وهي ليست هبة حزبية كما يحاول البعض الباسها هذا الثوب، وهي ليست هبة موجهة لموضوع الانتخابات على وجه التحديد كما يحول أن يسوق البعض.

وأكد الباحث والمحلل السياسي مازن الجعبري أن ما يجري الآن في مدينة القدس هي هبة شبابية، وهي حلقة من حلقات الصراع بيننا وبين “الإسرائيليين”، وبالأمس كان هناك تحولات على الهبة الشعبية الشبابية، فقد امتدت بالأمس الهبة إلى مناطق مختلفة، ولم تتركز على منطقة باب العامود التي كانت نقطة اشتعال هذه الهبة، كما أنه كان هناك مهاجمة للبؤر الاستيطانية الموجودة في القدس وهو أمر ملاحظ ولافت لما جرى بالأمس، كما قام الشباب المقدسي بتحطيم الكثير من كاميرات المراقبة والنقاط الأمنية “الإسرائيلية” وكان هناك شبه سيطرة للشباب على بعض شوارع مدينة القدس خاصة شارع السلطان سليمان وباب العامود وباب الزاهرة، فقد تجمع فيها مئات الشباب ولم يكن هناك وجود للشرطة “الإسرائيلية” حتى منتصف الليلة الماضية. وهذه المرحلة التي دخلتها الهبة الشبابية، نحن أمام تحولات تجري أمام تصاعد هذه الهبة.

أسباب الهبة المقدسية

تأتي الهبة الشبابية المقدسية في سياقات وأسباب عديدة مختلفة، فقد اعتاد المقدسيون خلال العقد الماضي أن يهبوا كل عامين أو أكثر رفضاً لسياسات الاحتلال التهويدية التي تطال أقدس المقدسات في فلسطين وهي المسجد الأقصى المبارك، والذي لا يتورع الاحتلال في تهويده والسيطرة عليه، ولكن المقدسيين ما زالوا خط الدفاع الأول عن القدس والأقصى.

يرى الباحث هلسة أن هذه الهبة أيضاً لا يمكن النظر إليها على أن سببها الوحيد هو دعوات المستوطنين الأخيرة وعلى رأسهم منظمة “لاهافا” والتي دعت وحرضت أنصارها للتجمع بالقرب باب العامود لحرق العرب وايذاء العرب. فهذه نظرة ضيقة للأمور ولا يمكن اختزال ما جرى بهذه الدعوة من قبل الجماعات الاستيطانية المتطرفة. القضية يجب النظر إليها في إطار الحالة الاستعمارية في مدينة القدس؛ شبابها وأهلها وحجرها وشجرها وكل ما فيها يتعرض منذ أكثر من 54 عاماً من عمر الاحتلال لحالة تذويب وصهر وملاحقة وتغريب وتهويد واستيطان، هذا التغول الاستيطاني الذي يطال كل شيء في مدينة القدس، المقدسي عاش هذه الحالة فترة طويلة وتحمل وزرها لوحده، وبحكم الأمر الواقع وبحكم سلطة القوة وسلطة الاحتلال العسكرية قبل على مضض ببعض القضايا، لكن كانت هناك قضايا أخرى تشكل بالنسبة له خط أحمر كقضية القدس والمقدسات ثم قضية كرامته.

يتابع الجعبري في حديثه لـ القسطل أنه منذ بداية شهر رمضان بدأ الاحتلال بإجراءات استفزازية في المسجد الأقصى، خاصة بقطع الاسلاك عن المآذن بسبب احتفال “الإسرائيليين” بما يسمى بعيد الاستقلال. وحتى لا ينزعج المستوطنين قاموا بشكل متعمد باقتحام المآذن وقطع اسلاك مكبر الصوت المخصص للآذان، واستمرت الاقتحامات، ومن الملاحظ بالاقتحامات التي حدثت في بداية شهر رمضان أنه كانت هناك صلوات في هذه المنطقة، فيما يتعلق بباب العامود هو ليس مجرد باب، بل هو مكان وساحة ودرج وتقليد وشعائر وطقوس خاصة خلال شهر رمضان، فهذا الموقع وهذا المكان الذي يعتبر المدخل الرئيس للبلدة القديمة وللمسجد الأقصى يتم فيه تجمعات فلسطينية في الليل، وخلال هذه التجمعات يحدث فيها طقوس اجتماعية وتراثية ودينية، فالشرطة “الإسرائيلية” تعمدت بشكل مباشر أن تغلق هذه المنطقة، وقد ادعت الشرطة “الإسرائيلية” أنها ستمنع وتفض التجمعات بسبب كورونا، وقبل هذه التجمعات كان هناك احتفالات لليهود لمدة أسبوع بمناسب ما يسمى عيد الاستقلال ولم تمنع هذه التجمعات، وادعت الشرطة مرة أخرى أنها ستمنع التجمعات الفلسطينية لتسهيل حركة المرور في الوقت الذي تمنع فيه الفلسطينيين من سكان الضفة الغربية من دخول القدس خاصة خلال شهر رمضان.

فمنذ الاحتلال “الإسرائيلي” لمدينة القدس مروراً بالانتفاضة الأولى والثانية وصولاً للهبات المقدسية التي بدأت منذ حرق الطفل أبو خضير واستمرت حتى يومنا هذا أثبت المقدسي تشبثه بأرضه ومقدساته، ودفع الغالي والنفيس في مواجهة الاحتلال الذي استخدم كل أدوات العنف والإرهاب للسيطرة على المدينة المقدسة.

يوضح المحلل السياسي الجعبري أنه منذ حرق الطفل محمد أبو خضير في شهر 7 من عام 2014 حدثت مجموعة من الهبات والحراكات الشبابية خاصة في عام 2015 و 2016 وقد تميزت هذه الحراكات بأنها كانت فردية عفوية وتلقائية وميدانية ومرت بمراحل تطور مختلفة، ولكن كان ملاحظ أنه كل عامين تبدأ هبة في مدينة القدس، ويكون لهذه الهبة نقطة اشتعال، ففي عام 2015 كانت بسبب إحراق الطفل محمد أبو خضير، وفي عام 2017 كانت بسبب البوابات الالكترونية وهبة باب الاسباط، وبعدها بعامين كان هناك هبة أخرى المتعلقة بمصلى وباب الرحمة عام 2019، وقبل كل هبة كان يلاحظ أنه يوجد حالة من الإحباط العام والشديد بالإضافة إلى شعور المقدسي وخاصة الشباب منهم بالتهميش وتم التخلي عنهم ووقوفهم لوحدهم في ساحة المواجهة.

وينوه الباحث هلسة أن المقدسي لا يقبل أن تنتهك كرامته وأثبت أنه السد والسند فيما يخص ثوابته ومقدساته وعلى رأسها المسجد الأقصى المبارك. وحينما أتت دعوات الجماعات الاستيطانية بالتجمع والتجمهر لإيذاء المقدسيين، هب المقدسي وأثبت بأنه لا يمكن إيذاءه ويبقى مكتوف اليدين على الرغم من محاولات “إسرائيل” من سنوات طويلة جداً من صهر وكي الوعي المقدسي من تغريبه من تهويده مرة بالتهديد والوعيد ومرة بالمغريات المختلفة، هذه كلها محاولات باءت بالفشل وأثبت المقدسي بأنه عصي على الكسر عصي على التذويب عصي على الصهر وأن وعيه الوطني وحضوره وانتماءه القومي وحسه الوطني حاضر، وأثبت ذلك في هذه الجولة التي انتصر فيها لكرامته وعزته ومقدساته، وهذا رهاننا الدائم، فكنا في كل مقابلة وفي كل لقاء ومن كل منبر نقول أن الرهان في مدينة القدس فقط على الإنسان المقدسي، الرهان على هذه الحاضنة من الجماهير نساء وأطفال شباب وشيوخ.

يؤكد الجعبري أن الشرطة “الإسرائيلية” منذ بداية رمضان تحاول السيطرة على الطقوس والشعائر الدينية عند المسلمين من خلال منع أهلنا في الضفة الغربية من الوصول للمسجد الأقصى المبارك، وبالإضافة إلى الاستفزازات المتعلقة داخل المسجد الأقصى ومن ثم اغلاق باب العامود. فكان باب العامود هو نقطة اشتعال الأحداث التي فجرت هذا القهر وهذا الإحباط الموجود عند المقدسيين وخاصة عند الشباب. مضيفاً أن الشرطة “الإسرائيلية” حاولت أيضاً استخدام كل وسائل العنف ضد الشباب، وواجه الشباب هذا العنف بحالة من الصمود ورافق ذلك انضمام أعداد غفيرة من المقدسيين للهبة في مواجهة السلطات “الإسرائيلية” في منطقة باب العامود، لأن هذه المنطقة أصبحت هي منطقة انطلاق للأحداث. 

وخلال هذه الهبة أصبح باب العامود بالنسبة للشباب الفلسطيني نقطة لفرض الإرادة الفلسطينية، لأن الشباب ينتفضون كل عامين لفرض هذه الإرادة على شوارع القدس بسبب العوامل انفة الذكر، وقد أصبحت المعركة مع الاحتلال معركة إرادة لا يمكن للمقدسي التراجع فيها مطلقاً.

أكد الباحث الجعبري أن الشرطة “الإسرائيلية” فشلت في كسر الإرادة عند الشباب الفلسطينيين وقد حاولت في اليوم الثالث للهبة أن تخفف من الاحتقان ولكن الشباب رفضوا التخفيف واستمروا بالهبة، فتوجهت الشرطة “الإسرائيلية” لمنظمات الإرهاب الصهيونية مثل منظمة “لهافا” التي استخدمتها الشرطة كزعران بسبب عدم مقدرتها على مواجهة الشباب فلجأت إلى استخدام الزعران الصهاينة من منظمة “لهافا” ومن بقايا “كهانا” لمواجهة الفلسطينيين، ونحن رأينا قبل يومين كيف واجه الشباب الفلسطيني في القدس هذه المنظمات بقوة وفشلوا في فرض إرادتهم وإرادة الشرطة على باب العامود.

أهداف الهبة المقدسية

ككل هبة فلسطينية وحتى وإن كانت عفوية ينشأ لها أهدافها التي يسعى الشباب الفلسطيني لتحقيقها بالرغم من صلف الاحتلال وارهابه، ولكن هذه الهبة ربما تتجاوز حدودها الجغرافية في أهدافها الوطنية، التي يسعى الشباب المقدسي لتحقيقها في القدس.

يوضح المحلل السياسي مازن الجعبري أنه عند الحديث عن أهداف الهبة المقدسية يجب النظر هنا على السلوكيات السياسية في الهبات، فقد كانت الهبات السابقة خاصة هبة باب الأسباط ووهبة باب الرحمة كان الهدف منها واضح، ولكن يجب أن نلاحظ أن الهبة الحالية صحيح أنها بدأت في منطقة باب العامود ولكن المراحل التي مرت بها هذه الهبة واضح أنها في حالة توسع ولكن أنا أرى أن هذه الهبة بدأت بهدف فرض الإرادة على منطقة باب العامود ولكن في مراحل تطورها واضح أنه هناك تطور للأهداف ولاحظنا هذا الحدث من خلال توجه الشباب لمواجهة البؤر الاستيطانية وأيضاً تحطيم الكاميرات ومهاجمة أيضاً المؤسسات “الإسرائيلية” مثل المحكمة المركزية “الإسرائيلية” وبعض النقاط الأمنية؛ إذن يوجد هنا تطور في الأهداف، فقد بدأت الهبة من هدف موضعي واضح في مكان محدد ولكن بسبب محاولة قمع الشباب بعنف من قبل قوات الاحتلال ولجوئها إلى زعران منظمة لهافا بدأت تتسع أهداف هذه الهبة بوفود أعداد كبيرة من الشباب للمشاركة في الهبة فهذا يعني توسع أهداف هذه الهبة، وبالأمس امتدت الهبة إلى مناطق واسعة في القدس وأيضاً في الضفة الغربية.

يضيف الجعبري: نحن أمام نقطة تحول في أهداف الهبة، من هبة تحاول تحقيق أهداف محددة بنقطة جغرافية معينة إلى أهداف أوسع في مواجهة الاحتلال، وخلال الأيام القادمة ستتضح إذا كان هناك توسع في الأهداف وهو الانتقال إلى حالة شعبية أوسع من هبة محلية في القدس، فنحن سنكون أمام هبة شعبية واسعة وحالة شعبية شاملة في الضفة الغربية وفي القدس؛ وخاصة إذا ما قام الفلسطينيين بمساندة أهلهم في مدينة القدس، فالمطلوب أن يكون هناك توسع في هذه الهبة حتى يكون هناك دعم ومؤازرة للفلسطينيين في مدينة القدس. 

 نتائج الهبة

تشهد منطقة باب العامود ومحيط البلدة القديمة في القدس المحتلة، منذ بداية رمضان، مواجهات يومية متصاعدة، تدحرجت يوماً تلو الآخر لتصل إلى إحراق مركبات مستوطنين “إسرائيليين” وضربهم، ورجم عناصر شرطة الاحتلال بالحجارة من مسافة صفر، ليصير من الواضح أن الحدث سيرتقي إلى هبّة جماهيرية على غرار هبّتَي البوّابات الإلكترونية وباب الرحمة وغيرهما، وقد تستمرّ لأسابيع. وتعود بداية «هبّة رمضان» إلى سلسلة اعتداءات للعدو في المسجد الأقصى والبلدة القديمة، وبدءاً من اليوم الأول من رمضان، حيث شرعت شرطة العدو في نصب حواجز في ساحة باب العمود وإغلاقها أمام الفلسطينيين ليلاً، في مسعى لإخلاء الساحة التي يتجمّع فيها الشبان في جلسات سمر كتقليد رمضاني من كلّ عام. وتزامن هذا الاعتداء مع اقتحام إسرائيلي لمئذنتين في الأقصى وقطع أسلاك مكبّرات صوت الأذان بزعم «تشويش صوت إمام المصلّين على احتفالات الإسرائيليين بذكرى قتلى جيشهم في ساحة البراق»، وفق القناة الـ 12 العبرية.[1]

ينوه الجعبري إلى أنه لا بد أن ننظر للمراحل التي مرت بها الهبة خلال الأيام الماضية، فقد كانت المواجهة في منطقة باب العامود موضوع كسر إرادة ما بين الشباب الفلسطيني الذي يريد فرض إرادته بفتح منطقة باب العامود من جهة، وما بين سلطات الاحتلال التي تريد تقييد إرادة الشباب الفلسطينيين في التجمع في منطقة باب العامود. هكذا بدأت الهبة في مرحلتها الأولى، وفي منتصف الهبة لجأت قوات الاحتلال إلى زعران منظمة لهافا وكهانا والمتعصبين والمتطرفين “الإسرائيليين”، وقد تم افشال هذه المحاولة. بالأمس انتقلنا إلى مرحلة ثالثة فلم تقتصر على باب العامود وباب الزاهرة، هي انتقلت إلى شوارع وأحياء أخرى في منطقة واد الجوز وسلوان والعيسوية ونقاط التماس في الضفة الغربية ومناطق أخرى، وفي هذه المرحلة يوم أمس كان هناك مهاجمة لنقاط السيطرة وكاميرات المراقبة “الإسرائيلية” التي تقيد وتراقب فيها كل تحركات الفلسطينيين. كما أن للكاميرات رمزية كبيرة لدى الفلسطينيين، لأنه من خلالها تحاول “إسرائيل” فرض سيطرتها ومراقبتها للفلسطينيين بشكل كامل.

ويرى العديد من الخبراء والمحللين أن نتائج هذه الهبة ربما تتجاوز سابقاتها، إذا ما كتب لها الاستمرار والتوسع لتصل عموم مدينة القدس والضفة الغربية، وهو ما يخشى الاحتلال من حصوله، وبالتالي وقوعه في أتون انتفاضة شعبية موسعة لا يمكن التنبؤ بنتائجها على أمنه واستقرار نظامه الاحتلالي.

يؤكد الجعبري أن الهبة في مراحلها الثلاثة تطورت بشكل غير اعتيادي خلال فترة زمنية قصيرة. لذلك حينما نتحدث عن النتائج، لا بد من أخذها في المراحل التي مرت بها هذه الهبة، فلاحظنا أن أول مرحلة حاولت “إسرائيل” فرض إرادتها كما يحلوا لها في منع تجمع الفلسطينيين والتدخل في طقوس الفلسطينيين خاصة في شهر رمضان، فهي حاولت أن تتدخل في الشكل الذي يريد فيه الفلسطينيين ممارسة طقوس وشعائر شهر رمضان خاصة استفزازات “إسرائيل” في المسجد الأقصى وفي باب العامود. فكان الهدف الفلسطيني هو تحقيق الإرادة الفلسطينية في منطقة باب العامود، وهذا الهدف لم يتحقق للان، وقد حاولت “إسرائيل” احتواء الشباب وعرضت عليهم استخدام الساحات القريبة من باب العامود، وقد كان هناك مفاوضات مع الشباب للتخفيف من الاحتقان، ومحاولات للاحتواء، وقد لاحظنا استمرار الشباب المقدسي بالهبة.

يتابع: فالنتائج في مرحلة حراك وتواكب مراحل تطور الهبة الجماهيرية، فالنتيجة الرئيسة التي تحققت حتى الآن أن هناك مشاركة واسعة من الشباب الفلسطيني في القدس لفرض إرادته والانتفاض على كل الإجراءات الاحتلالية التي تمت آخر عامين في محاولة أسرلة وتهويد مدينة القدس وفرضها كعاصمة لدولة الاحتلال. فالنتيجة الرئيسة التي تم تحقيقها حتى الان من خلال هبة الشباب أن هناك تمرد على كل محاولات الاحتلال وخطة ترامب في تحويل القدس إلى عاصمة لدولة الاحتلال وإلى مدينة يهودية وفقاً للأسطورة الصهيونية.

رسائل الهبة المقدسية

كأي حراك شعبي مقدسي يبعث هذا الحراك ببرقيات متعددة ومختلفة للداخل الفلسطيني شعبياً ورسمياً وفصائلياً وللمحتل “الإسرائيلي” وللمطبعين العرب المهرولين نحو الوهم “الإسرائيلي”.

يرى الأكاديمي هلسة أنه من الواضح للغاية أن الرسالة التي أراد المقدسي ايصالها لأكثر من طرف أننا لسنا الحلقة الأضعف، وأننا لن نسمح بالمساس بكرامتنا ومقدساتنا وعلى رأسها المسجد الأقصى المبارك. وأننا سنبذل الغالي والنفيس في سبيل الحفاظ على هذه القيم التي هي جزء من حياتنا ووجداننا، وبالتالي هذه الهبة الشعبية هي انتصار للكرامة المقدسية… هي انتصار للمقدسات… انتصار لروح العربي الفلسطيني الذي يأبى أن يحاول البعض الاعتداء على كرامته بشكل متغطرس من خلال دعوات الجماعات الاستيطانية التي حاولوا فيها الوصول إلى حدود ساحاتنا وبيوتنا وأن يهددونا في عقر دارنا، فذهب إليهم المقدسيون إلى حدود بيوتهم وساحات بيوتهم، وحصلوا على ما يستحقون.

وأضاف هلسة أن هذه الهبة أبرقت رسائل في اتجاهات متعددة، وهذه الرسائل كانت على رأسها الرسالة الأولى للمستويين الأمني والسياسي في دولة الاحتلال أن كل محاولاتكم لتطويعنا وتغريبنا وتذويبنا وتهويدنا باءت بالفشل ونحن سنبقى عصيون على الكسر.

وتابع هلسة أن الرسالة الثانية كانت موجهة للجماعات الاستيطانية وغلاتهم الذين اعتقدوا بأن الفلسطيني هو الحائط القصير الذي بالإمكان القفز عنه وتجاوزه وهذه المسألة أشبه بنزهة أن تأتي للبيت المقدسي وتهدده ظاناً بأنه لا حارس لهذا البيدر، وقال المقدسيون إياكم وغضبنا أيها المستوطنون وإياكم والمساس بنا وبكرامتنا، والآن هذه العصابات الاستيطانية من خلال ما حصل مع أفرادها وملاحقتهم ومطاردتهم من قبل الشبان المقدسيين لن تجرؤ مرة أخرى على العودة إلى هذه الدعوات وستحسب ألف حساب قبل أن تقدم في المستقبل على مثل هذه المغامرات غير المحسوبة لانهم رأوا نتائجها، وأيضا النظام السياسي لن يسمح بإعطاء غطاء لهذه التجمعات، فنحن لاحظنا أن بداية هذه الدعوات والتجمعات للمستوطنين كانت تحظى بغطاء من قبل الشرطة وحرس الحدود “الإسرائيلي” في مدينة القدس، في بداية تجمعهم، ثم ما لبث الجهاز الأمني “الإسرائيلي” أن أدرك أنه بورطة وأنه يتحتم عليه فض تجمعات المستوطنين. وبالتالي مستقبلاً لن يجرؤ هذا الجهاز الأمني والسياسي أن يوفر غطاء للجماعات الاستيطانية لأنها تجره إلى مربع سيظهر فيه بأنه ليس بصاحب السيادة وليس صاحب السلطة في مدينة القدس، بل إن صاحب السيادة رغم القوة وآلة البطش والجبروت هي هذه الجماهير المقدسية المنغرسة في بيوتها الملتحمة مع مقدساتها ومع ثوابتها.

أما الرسالة الثالثة وفقاً لهلسة فهي موجهة للمطبعين العرب الذين يهرولون منبطحين تحت الأقدام “الإسرائيلية”، فما حصل مع المستوطنين ليس ببعيد عنكم، وقد شاهدوا نماذج مما قد يحصل مع بعض المطبعين الذين أتوا في العام الماضي، وبالتالي فإن العرب المطبعين ينظرون إلى هؤلاء الفتية الذين لاحقوا المستوطنين وطردوهم حتى عقر دارهم.

وقال هلسة إن الرسالة الرابعة موجهة للسلطة الفلسطينية، فالسلطة حاولت أن تركب موجة هذه الأحداث من خلال الادعاء بأن هذه الهبة أتت بدعوة من السلطة وبدعوة بشكل أساسي من حركة فتح، وأنها تخدم أجندتهم الانتخابية وهذا عاري تماماً عن الصحة وإن كان المقدسي داخل المدينة قد يشارك في هذه الانتخابات أو سهلت مشاركته وترشحه دون أن اتخاذ “إسرائيل” إجراءات أو عقوبات فلا ضير، ولكن هذا لم يكن هو الهدف الأساسي من هذه الهبة. وإحدى الرسائل التي أوصلتها الهبة للسلطة الفلسطينية أن تعرف أن الفلسطينيين داخل المدينة المقدسة ليسوا خرافاً تساق، وأن رهان المقدسي داخل المدينة على ذاته وعلى هذه الطاقات الخلاقة الشابة فقط، وليس رهانه على أحد آخر. وأن المقدسيين لا ينتظرون توجيهاتكم ولا دعمكم وإنما هو يهب متى شاء ومتى شعر بأن الخطوط الحمر قد مست التي يراها بمثابة مسلمات.

وأكد هلسة أن هذه الهبة أبرقت رسائل للمستوى السياسي الفلسطيني بأن إياكم في هذه المرحلة أو في غيرها أن تفكروا بما دون ما نقدمه بما دون مستوى عطائنا دون مستوى كرامتنا، هذا الذي فعلناه ومستوى ما نطلبه ولا نريد ما دون ذلك، لا مفاوضات ولا في سلم ولا في حرب، إياكم والتفكير بأن تتنازلوا في مدينة القدس دون ما نقبل به ونرضى به كمقدسيين.

والرسالة الأخيرة هي رسالة داخلية موجهة للمجتمع الفلسطيني ككل والمجتمع المقدسي بشكل خاص، فقد أثبت المقدسي بأنه محصن، وهذه الحصانة ثبتت بالدليل القاطع أمام كل العالم، بأن المقدسي لم يغيب ولم يغرب ولم يهود ولم يجري كي وعيه وبأنه قادر على أن ينتفض وأن يقدم وأن يفعل فوق ما كان يعتقد.

اختتم هلسة حديثه بالقول: الشباب المقدسي محصن أنتم محصنون ولا خوف عليكم، وكل محاولات الاحتلال تجاهكم بالتأكيد أمام هذه الحصانة ستبوء بالفشل، هذا الدرع الوطني درع الكرامة درع الحمية والانتصار للكرامة والمقدسات سيبقى هو الحامي الأول لكم داخل المدينة، ولن تنفعكم لا أنظمة رسمية ولا سلطة ولا مؤسسات دولية، فما ينفعنا فقط كمقدسيين حصانتنا الداخلية اتحادنا التحامنا خلف ثوابتنا ومقدساتنا.

يرى الباحث والمحلل السياسي مازن الجعبري أن هناك مخاوف على النتائج التي من الممكن تحقيقها من خلال هذه الهبة، فمن الممكن أن تلجأ سلطات الاحتلال وخاصة الإدارة المدنية والإدارة العسكرية في الضفة الغربية إلى اللجوء إلى السلطة الفلسطينية لعمل وساطة وهذا أمر خطير جداً، وهو أحد السيناريوهات إذا ما تطورت الهبة ممكن أن تلجأ لها “إسرائيل” وأن يكون هناك تدخلات أوروبية وأمريكية أو عربية مع السلطة الفلسطينية لإجهاض ما يتم في مدينة القدس. وهذا ممكن أن سبب بنتيجة تدميرية للهبة الشبابية.

يشير الجعبري إلى أنه من الممكن أن تبقى هبة شعبية وموجة تمتد إلى الضفة الغربية وتنتهي في مرحلة معينة، ولكن هناك احتمالات كبيرة حسب كل القراءات الموجودة أن تنتقل إلى انتفاضة جماهرية في الضفة الغربية ومدينة القدس. وكل هذا هو عبارة عن مقاربات لأننا ما زلنا في داخل هذه الموجات الجماهيرية التي ما زالت في تطور مستمر يومياً.

يلفت الجعبري إلى أن هناك سقطات كثيراً ما آلمتنا وأزعجتنا، كان هناك في العديد من وسائل التواصل الاجتماعي مطالبات للشباب بعدم استفزاز سلطات الاحتلال خلال شهر رمضان، وكأن سلطات الاحتلال بانتظار استفزازات حتى تقوم بعمليات قمع وتقييد لحركة الفلسطينيين.

مضيفاً: البعض حاول نسب هذه الهبة بسبب منع “إسرائيل” إجراء انتخابات في القدس، هذه الهبة ليس لها أي علاقة بموضوع الانتخابات، لذلك محاولة لصق الانتخابات بالهبة الشبابية هذا أمر غير صحيح ويجانب الحقيقة. وقد حاول البعض وضع الهبة كردة فعل على المشاكل الاجتماعية والمشاكل العائلية التي حدثت في بداية رمضان، وهذا غير صحيح اطلاقاً. كما أن هناك محاولات لتسلق الهبة من قبل بعض التنظيمات وهذا أمر غير صحيح، فالهبة كانت عفوية وتلقائية من الشباب، والمطلوب من الفصائل الفلسطينية أن تنزل لمستوى الشباب، وتنزل لجماهيرها وللشعب وأن يتم العمل على نشر هذه الهبة في مناطق الضفة الغربية حتى يتم مساندة المقدسيين والشباب الفلسطيني في القدس، فهذه المحاولات يجب أن تتوقف، ويجب أن نترك الشباب وهبة الشباب أن تأخذ مجراها الطبيعي والمطلوب من الفصائل الفلسطينية جميعا أن تنزل هي بنفسها إلى مستوى هبة الشباب.

وحذر الباحث الجعبري أن هناك محاولات للتفاوض مع الشباب المقدسي من قبل الشرطة “الإسرائيلية” وهذه المحاولات فشلت حتى الان، وأتمنى أن يكون الشباب واعي لصد أي محاولة للتفاوض من قبل الشرطة لوقف هذه الهبة خاصة في مدينة القدس.

يشار إلى أن هذا التقرير أعد قبل انتصار المقدسيين الذي تحقق مساء اليوم الأحد بإزالة الحواجز التي نصبتها شرطة الاحتلال في باب العامود.

المصادر والمراجع:

[1] موقع الاخبار، هبّة رمضان: القدس تدوس «شرف» الاحتلال، 24/4/2021.

https://al-akhbar.com/Palestine/304764

 

زر الذهاب إلى الأعلى