تسريب العقارات بالقدس المحتلة من منظور القانون الدولي

القدس المحتلة – القسطل: شهدت السنوات الأخيرة عدة عمليات تسريب العقارات في مدينة القدس للاحتلال “الإسرائيلي” وهو ما يمثل تهديد وجودي للفلسطيني في المدينة المقدسة، في ظل حالة التهويد “الإسرائيلي” الممنهج الذي يستهدف كل ما هو فلسطيني في المدينة.

وقد استخدم الاحتلال العديد من الأدوات لتحقيق أهدافه الاستراتيجية في المدينة المقدسة والقاضية بتجفيف الوجود الفلسطيني هناك، وكان من أكثر الأدوات خطراً ومساساً بالهوية الوطنية؛ تسريب العقارات الفلسطينية عبر سماسرة وعملاء يعملون لدى الجمعيات الاستيطانية وجهاز الشاباك “الإسرائيلي”.

يقول الباحث في جمعية الدراسات العربية مازن الجعبري إن القدس تعاني من ظاهرة تسريب الأراضي والعقارات بشكل كبير، خاصة في منطقة سلوان، وفي المنطقة القديمة رغم أن الأدوات التي تم فيها الاستيلاء على المنازل مختلفة، فهناك استيلاء أمني وهناك قانون أملاك الغائبين، وهناك أيضاً قانون أملاك العدو، وأدوات أخرى، منها طبعاً البيع عبر السماسرة والعملاء الذين يتعاملون مع الجمعيات الاستيطانية، خاصة “عطرات كوهانيم” التي تعمل في منطقة سلوان و “العاد” التي تعمل في منطقة البلدة القديمة.

ويضيف الباحث الجعبري في مقابلة مع القسطل أن الجمعيات الاستيطانية مدعومة من حكومة الاحتلال، وتنسق كل عملها مع بلدية الاحتلال والشرطة “الإسرائيلية” وأيضاً جهاز الشاباك “الإسرائيلي”، لذلك فإن هذه الجمعيات هي أدوات للحكومة “الإسرائيلية” من أجل تنفيذ مخططاتها داخل مدينة القدس، ونحن نعلم أن الهدف الاستراتيجية لـ “إسرائيل” في القدس هو تغيير الهوية السياسية لمدينة القدس، من مدينة عربية إلى مدينة يهودية تخص الشعب اليهودي، وهذا ما تعمل عليه “إسرائيل” في كل إجراءاتها في المدينة المقدسة، وهو تغييب الرمزية العربية عنها، إلى رمزية يهودية تتلاءم مع أسطورتها التوراتية.

الوضع القانوني لمدينة القدس:

منذ احتلال القدس الشرقية عقد “الإسرائيليون” العزم على البقاء في المدينة وعدم الانسحاب منها، ولذا لم يمر وقت طويل حتى اتخذت “إسرائيل” قرارها بشأن مصير المدينة المحتلة. فاجتمعت الحكومة “الإسرائيلية برئاسة ليفي إشكول بتاريخ 11/6/1967، لتبحث مستقبل القدس الشرقية، وأيد معظم الوزراء ضمها إلى “إسرائيل”. فأوكلت الحكومة إلى لجنة وزارية صوغ اقتراح لحل المشكلات القضائية والإدارية الناجمة عن قرار الضم.[1]

ينظر القانون الدولي إلى أن احتلال أحد طرفين متحاربين لمنطقة تابعة للطرف الآخر لا يعني في أي حال من الأحوال انتقال السيادة على تلك المنطقة -نتيجة الاحتلال- من الطرف المهزوم إلى الطرف المحتل. بل إن حكومة الإقليم المحتل الشرعية تحتفظ بالسيادة عليه، لكن هذه السيادة تكون معلقة، وتنتقل صلاحيات السلطة السابقة من تشريع وتنفيذ وإدارة إلى السلطة المحتلة طوال فترة الاحتلال إلى أن يتم تقرير مصير الإقليم المحتل.[2]

وقد اقترح قرار التقسيم الذي أصدرته الأمم المتحدة (قرار الجمعية العامّة رقم 181) أن تكون القدس (Corpus Separatum) في ظل نظام دولي تُديره الأمم المتحدة. على الرغم من اندلاع المواجهات في عام 1948-1949، بذلت الأمم المتحدة العديد من المحاولات لتأسيس هذا النظام الدولي قبل التخلّي عن ذلك في عام 1951. لكن يبقى الاقتراح مطروحاً “على طاولة البحث” بمعنى أنه يبقى أحد الخيارات في المفاوضات المستقبلية حول وضع القدس.[3]

وقد أوصى قرار 181 بتدويل مدينة القدس وجعلها تحت لجنة من الأمم المتحدة لمدة عشر سنوات، ثم ينظر في أمرها بعدها، ولكن طلب القرار في مضمونه أن تكون القدس مدينة دولية. وقد حددت المنطقة لتشمل (مدينة القدس، والقرى، والبلدات المحيطة بها، من أقصى الشرق “أبو ديس”، ومن أقصى الجنوب بيت لحم، ومن أقصى الغرب عين كارم، ومن أقصى الشمال منطقة شعفاط).[4]

ويرى الجعبري أن القانون الدولي تعامل مع قضية الاحتلال، فالاحتلال حسب القانون الدولي والمبادئ الدولية لا يستطيع إعطاء حق الملكية لنفسه، “إسرائيل” احتلت القدس الشرقية في عام 1967 وفي عام 1948 احتلت الجزء الغربي من القدس، وبعد ذلك أخذت قرار بضم القدس إلى سيادتها بعد احتلالها عام 1967، طبعاً مجلس الأمن والجمعية العامة أصدروا عدة قوانين لا تعترف بضم “إسرائيل” للقدس وإعطاء الحق بأن تكون تحت سيادتها طبعاً وفقاً للقانون الأساس لدولة الاحتلال.

وأشار إلى أن القانون الدولي كان واضحاً في مسألة عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، بالإضافة إلى ذلك وبعد احتلال القدس وبقية أجزاء الضفة الغربية في عام 1967، صدر قرار جديد عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن رقمه 242، وقد طالب مجلس الأمن والأمم المتحدة من خلال هذا القرار “إسرائيل” بالانسحاب من التي احتلتها عام 1967.

وكانت الإجراءات التي اتخذتها “إسرائيل” لدمج القدس الغربية بـ”إسرائيل” والتي اتخذتها بعد حرب حزيران 1967 لتأكيد السيادة على كل القدس محل شجب متكرّر من قبل الأمم المتحدة وليس لها أي أثر قانوني.[5]

وأشار الجعبري إلى هناك مجموعة من الاتفاقيات الدولية والمعاهدات مثل معاهدة جنيف الرابعة للحرب، وأيضاً اتفاقية لاهاي لحقوق الإنسان، وأيضا مجموعة من القوانين الأساسية التي تنص بشكل واضح على تحريم تغيير الوضع القائم وقت الحرب، وبما أن القدس واقعة تحت الاحتلال، وتم احتلالها بالقوة، وبالحرب، فيتم تطبيق معاهدة جنيف الرابعة عليها بالإضافة إلى لاتفاقيات أخرى، وهي تحرم تغيير أي وضع قائم بما فيها هدم المنازل ومصادرة الأراضي، فكل ذلك حسب القانون الدولي يعتبر أمور قسرية مثل عمليات الهدم التي تحرمها الاتفاقيات، ولكن “إسرائيل” كدولة احتلال لم تعترف مطلقاً بمعاهدة جنيف الرابعة، وهي تعلم أن كل ما تفعله في القدس متناقض مع اتفاقية جنيف الرابعة، وهي اتفاقية عالمية ودولية، وأغلب دول العالم تنفذها وتعترف فيها.

وأكد الجعبري أن عمليات تسريب الأراضي تنطبق عليها نفس النصوص القانونية التي تنطبق على هدم البيوت.

ولم يحظَ احتلال “إسرائيل” للقدس الغربية منذ عام 1948 باعتراف قانوني، مع أن معظم الدول تعترف بسلطة الأمر الواقع لـ “إسرائيل” على القدس الغربية. وقد صادق اتفاق الهدنة العام بين الأردن و “إسرائيل” لعام 1949 على التقسيم الواقعي للمدينة، لكن لم يؤثّر ذلك على الوضع القانوني للمدينة.[6]

وشدد الجعبري على أن القانون الدولي لا يعترف مطلقاً باحتلال القدس ويعتبرها منطقة محتلة ولكن أغلب دول العالم ما زالت تطالب بوجود نظام خاص للقدس، وليست تحت سيادة أي دولة من الدول الموجودة بسبب حساسيتها وموقعها وصفتها التاريخية والدينية لثلاث ديانات.

وتعتبر “إسرائيل” في وضع الاحتلال المحارب للقدس الشرقية. في ظل القانون الدولي لا يحق للاحتلال المحارب منح حقوق ملكية. إضافة إلى ذلك، ينطبق مبدأ عدم جواز الاستيلاء على حقوق الملكية بالقوة في هذا السياق، والقدس الشرقية هي ضمن الأراضي التي احتلت في حرب حزيران 1967 والتي يجب على إسرائيل الانسحاب منها وفقاً لقرار مجلس الأمن رقم 242.[7]

سبل مواجهة ظاهرة تسريب العقارات في القدس المحتلة:

ينظر الشعب الفلسطيني وباقي الشعوب العربية والإسلامية إلى مدينة القدس كمدينة إسلامية مقدسة، فهي أولى القبلتين ومسرى نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- ومهد الديانات السماوية الثلاثة، ومن خلال الرمزية التاريخية والدينية لمدينة القدس تمتعت هذه المدينة بأهمية دولية وإسلامية خاصة.

يوضح الباحث الجعبري أن الفلسطينيين يعتبرون القدس عاصمة للدولة الفلسطينية، ومن خلال توقيع اتفاق أوسلو، وفي الاتفاقية المرحلية تم اعتبار القدس على أنها احدى قضايا الوضع النهائي، الذي يجب أن يتم إنهائه في الوضع الدائم، لذلك كانت تحت النقاش، لذلك لا تستطيع أن تدعي “إسرائيل” أن القدس الشرقية جزء من عاصمتها، بالإضافة للقدس الغربية، ومن خلال اتفاقية أوسلو تم تأجيل المفاوضات على القدس إلى المرحلة النهائية. لذلك نستطيع القول إن القدس حسب القانون الدولي هي مدينة تقع تحت الاحتلال، وأغلب الدول في العالم لا تعترف باحتلال “إسرائيل” لمدينة القدس.

يؤكد الجعبري على أنه في ظل الظروف الحالية التي نعيشها في القدس وفي ظل عدم وجود سلطة وطنية حاكمة على الأرض وفي ظل هذا الضعف الفلسطيني العام، والانقسام وضعف الفصائل الفلسطينية، وعدم القدرة على محاسبة المسربين، لأنه لو كان يوجد هناك محاسبة لكان تم القضاء على هذه الظاهرة كما كان في الماضي من تجارب مختلفة وملاحقة السماسرة والعملاء ومحاسبتهم،

يرى الجعبري أن معالجة هذه الظاهرة يترتب في المقام الأول على العائلة الفلسطينية، فعلى المستوى الشعبي وعلى العائلة الفلسطينية والمجتمع الفلسطيني أن يكونوا خط الدفاع الأول لأن أغلب عمليات التسريب تتم بسبب وجود خلافات داخل العائلة ولجوئها إلى المحاكم وقضايا الإرث داخل العائلة الفلسطينية، لذلك أعتقد أن المجتمع الفلسطيني والعائلة الفلسطينية هي خط الدفاع الأول، وأقصد بذلك توعية العائلة الفلسطينية، وممكن أن تقوم مجالس العائلات -وهي موجودة داخل مدينة القدس- بملاحقة وتحريم ومقاطعة البائعين والسماسرة، وفي المجال الديني فهناك مجموعة من الفتاوى تم إصدارها لتحريم تسريب العقارات لليهود، وأيضاً المقاطعة الاجتماعية للمسربين من قبل المجتمع الفلسطيني وخاصة من قبل عائلته، لذلك أعتقد أنه يجب العمل مع العائلة الفلسطينية ومن خلالها للحد من تسريب العقارات من قبل بعض أفرادها المرتبطين مع الجمعيات الاستيطانية والاحتلال “الإسرائيلي”،

وأضاف الجعبري أن المستوى الرسمي يتحمل مسؤولية كبيرة في هذا المجال، فالواجب أن يكون هناك إرادة سياسية فعلية للتعامل مع موضوع تسريب العقارات، وخاصة أن العديد من المسربين يلجؤون إلى شراء عقارات في الضفة الغربية، وهذه المناطق تحت سيطرة السلطة الفلسطينية، فيجب أن يتم ملاحقتهم ومصادرة أموالهم وممتلكاتهم وطردهم من مناطق السلطة الفلسطينية عند ثبوت بيعهم الممتلكات للاحتلال، وطردهم من مناطق السلطة الفلسطينية حتى لا تكون ملاذا للعملاء والخونة والسماسرة.

واختتم الجعبري حديثه بالتأكيد على أن الجانب الرسمي الفلسطيني مقصر خاصة أن قضية البيع المشهورة في عام 2018 لبيت جودة وبيت العلمي في منطقة باب الزاهرة داخل البلدة القديمة، كان هناك تقصير واضح من قبل المستوى الرسمي في قضايا بيع العقارات، وتم تشكيل لجنة حكومية للتحقيق في هذا التسريب، وكان ذاك إبان رئاسة رامي الحمد لله للحكومة، وتم تشكيل لجنة، وصاحب الحدث ضجة داخل المجتمع الفلسطيني على هذا التقصير الرسمي، ولكن للأسف حتى الآن لم يتم الإعلان عن نتائج التحقيق، وأعتقد أن هذا خلق عدم ثقة عند المجتمع الفلسطيني بالمستوى الرسمي، لذلك نحن ندعو المستوى الرسمي للتعامل مع هذه القضايا بشكل جدي وفعال والاعلان بشكل صريح عن نتائج لجنة التحقيق المذكورة حتى يتم محاسبة الذين قصروا وتورطوا في قضية تسريب العقارين المشهورين في عام 2018 عقار جودة وعقار العلمي. طبعاً فصائل العمل الوطني والإسلامي أيضاً تتحمل مسؤولية في عدم متابعة هذه القضايا، ولكن أيضاً نحن ندرك تماماً أن هناك حالة وهن وضعف لدى فصائل العمل الوطني والإسلامي بسبب الانقسام والازمة السياسية الفلسطينية الداخلية.

المصادر والمراجع: 

[1] أسامة الحلبي، الوضع القانوني لمدينة القدس ومواطنيها العرب، (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1997)، ص7.

[2] المرجع السابق، ص 47-48.

[3] دائرة شؤون المفاوضات التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، وضع القدس في القانون الدولي، 20 حزيران 2011.

https://shortest.link/enC

[4] محمد عادل القاضي، القدس في القرارات الدولية، (الخليل: جامعة الخليل، 2019)، ص 24.

[5] دائرة شؤون المفاوضات، وضع القدس في القانون الدولي، 20 حزيران 2011.

[6] دائرة شؤون المفاوضات، وضع القدس في القانون الدولي، 20 حزيران 2011.

[7] المرجع السابق.

 

زر الذهاب إلى الأعلى