باحثون مقدسيون يحذرون من الدور الإماراتي في القدس

القدس المحتلة – القسطل: لطالما حاولت القوى الإقليمية الدخول للقضية الفلسطينية عبر بوابة المساعدات الاقتصادية التي تقدمها لبعض المؤسسات والجهات السياسية الفلسطينية الفاعلة حتى يتسنى لها العبث في عصب قضاياها وثوابتها، وكانت دولة الإمارات العربية المتحدة من بين تلك القوى التي لعبت دوراً أساسياً في الآونة الأخيرة، فتارة ربط اسم الإمارات في قضايا تسريب عقارات في مدينة القدس، وتارة أخرى دخلت لحلبة المنافسة الانتخابية الفلسطينية في مدينة القدس على وجه التحديد. وشبكة القسطل سترصد من خلال هذا التقرير التدخلات الإماراتية في ملف القدس بشكل خاص.

وأشار المحلل السياسي ناصر أبو خضير إلى أنه في السنوات الأخيرة بدأ ينكشف الدور الخطير الذي بدأت تلعبه دولة الإمارات في تخريب وتدمير والسيطرة على البنية السياسية والاقتصادية الفلسطينية عبر استخدام أدواتها وزبانيتها من الفلسطينيين المكشوفة ارتباطاتهم التاريخية كعملاء مأجورين لأعداء شعبنا. مضيفاً أن استخدام أموال الإمارات الملوثة بعار الخيانة والتواطؤ إنما يستهدف استغلال حاجات الناس المادية وما يكابدونه من تضييقات اقتصادية واجتماعية خاصة في مدينة القدس المحاصرة والمستهدفة تهويداً وتجويعاً ومصادرة وطرداً قصرياً ممنهجاً لأصحابها العصاميين، وكذلك عبر مد النفوذ المشبوه للسيطرة على المقدسات خاصة المسجد الأقصى ومحيطه من عقارات تحت غطاء الإعمار وتعزيز الصمود. مؤكداً أن استغلال النفوذ المالي الإماراتي عبر ما يسمى بمجلس القدس للتنمية والتطوير الاقتصادي للسيطرة على أوسع قطاع ومؤسسات القدس الخدمية والأهلية تحقيقاً لأهداف سياسية واضحة ودعم شريحة سياسية اجتماعية في القدس مكشوفة لشعبنا بولاءاتها السياسية المشبوهة والمتورطة تاريخياً في مستنقع التطبيع.

وأكد الباحث في جمعية الدراسات العربية مازن الجعبري  أن دولة الإمارات لديها مشاريعها السياسية وتحالفاتها في المنطقة، وكما نعلم أنها لديها تدخلات في الساحة الفلسطينية وهي تقوم بدعم محور من التيارات الفلسطينية وهو ما يعرف بالتيار الإصلاحي أو تيار دحلان بشكل معلن، وهي تسعى من خلال هذا التيار إلى مجموعة من الأهداف مثل التدخل بشكل سافر داخل الساحة الفلسطينية وخاصة في الصراعات الفلسطينية الداخلية والذي يعتبر جزء منها الانقسام، والانقسامات داخل حركة فتح، فالإمارات تحاول أن يكون لديها بصمة سياسية في الساحة الفلسطينية.

تأسس مجلس القدس للتنمية والتطوير الاقتصادي عام 2019، وهو مؤسسة أهلية غير ربحية يستهدف العديد من القطاعات في مدينة القدس كقطاع التعليم الإسكان والصحة والشباب، يضع نصب عينيه ما يخدم ويعزز صمود أهلنا في القدس.[1] وقد انتقدت العديد من المؤسسات الفلسطينية أهداف هذا المجلس واتهمته بالتبعية سياسياً لدولة الإمارات العربية المتحدة وتنفيذ أجندة خارجية.

وقد كشفت “مؤسسة القدس الدولية” الخميس الماضي، كواليس محاولات إماراتية لاستغلال الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقررة في 22 مايو/أيار المقبل، لترشيح قائمة موحدة باسم “القدس أولاً”، تسوق لأجل تشكيلها مقدمات وطنية تتعلق بتهميش المدينة على مستوى السلطة الفلسطينية، ووجود هجومٍ إسرائيلي محموم، لتبرّر الحاجة إلى تشكيل مرجعية موحدة للقدس، والتعامل مع الكتلة النيابية الموحدة للمجلس التشريعي كأنها هذه المرجعية الموحدة.[2]

وأشار الأكاديمي والباحث في الشأن الإسرائيلي والمقدسي محمد هلسة في حديث مع شبكة القسطل إلى أن المحاولات الإقليمية والدولية لإيجاد وكلاء لها في مناطق النزاع وفي المناطق التي يكون فيها النظام السياسي ضعيف أو التي لا تخضع لولاية جهة سياسية قانونية حازمة أو تختلط فيها الجهات الفاعلة كما هو حال مدينة القدس، فهذه ليست سياسة جديدة، بل انتهجتها الدول الاستعمارية والدول الإقليمية لمحاولة إيجاد موطئ قدم لها وإيجاد وكلاء لها تحت ذرائع مختلفة منها؛ الدعم المالي ومنها المساعدات الإنسانية ومنها الدعم السياسي وربما في أحيان الدعم العسكري، ورأينا شواهد كثيرة على ذلك في منطقة الشرق الأوسط بسبب اضطراب الأنظمة السياسية في المنطقة.

وأضاف الأكاديمي هلسة أنه بسبب خصوصية مدينة القدس ولأنها تعيش فراغاً سياسياً بسبب ضعف أداء النظام السياسي الفلسطيني، وعدم مقدرته على تلبية الاحتياجات الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية وفي مختلف القطاعات التنموية كالصحة والتعليم والشباب والثقافة وغيرها، تجد دول الإقليم ساحة لها أو نافذة لها للولوج إلى المنطقة وطبعاً لتنفيذ سياساتها المختلفة، وتجد أيضاً وكلاء لها في المنطقة، وهنالك العديد من الشخصيات التي قد تكون على صراع أو خلاف  مع النظام السياسي الموجود، أو تجد نفسها مهمشة، ترى في ذلك فرصة سانحة لها لتعرض نفسها لتكون وكيلاً لهذا النظام السياسي أو ذلك للولوج إلى المنطقة وتنفيذ سياساته المختلفة.

ونقل موقع العين الإخباري الإماراتي عن سري نسيبة رئيس مجلس القدس للتطوير والتنمية الاقتصادية: “لمسنا رغبة الإمارات تحديداً في دعم القدس، كما أن هناك أخوة فلسطينيين يرغبون في تقديم الدعم، وهو ما شجعنا على تأسيس المجلس وسط حماس سكان مدينة القدس من الشباب الذين يستشعرون أهمية التحرك ومحاولة تجنيد الدعم خاصة في هذا الوقت”. مضيفاً: “جرت نقاشات حول أهمية إنشاء مثل هذا المجلس، وكان أول باب مفتوح لنا هو باب الإمارات، وقد توجهنا لهم، وكانوا نعم الأهل مرحبين وداعمين بلا حدود لفكرة خدمة مدينة القدس”.[3]

وأضاف نسيبة: “في نهاية العام 2018، توجهت مجموعة من النشطاء والشخصيات الاعتبارية والأكاديمية من مدينة القدس إلى العاصمة الإماراتية أبو ظبي، سافرنا كمجموعة واجتمعنا مع سمو الشيخ منصور بن زايد، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير شؤون الرئاسة في الإمارات، الذي استقبلنا استقبالاً ودياً وحميمياً، وقدمنا له عرضاً عن احتياجات مدينة القدس، ورد بأن دولة الإمارات ستلبي احتياجات القدس دون أي حدود”، مؤكداً أن بلاده على استعداد لتقديم كل ما تحتاجه القدس وليس علينا سوى تحديد الاحتياجات.[4]

القدس في صدارة الأهداف الإماراتية بعد التطبيع مع الاحتلال

بعد أن وقعت دولة الإمارات العربية المتحدة اتفاق التطبيع الذي أطلق عليه اتفاق أبراهام مع “إسرائيل” في 13 أغسطس (آب) 2020، بدأت أبو ظبي مشروعها السياسي والاقتصادي في مدينة القدس والقاضي بضرب الهوية العربية والإسلامية للمدينة المقدسة من خلال انشاء ودعم مؤسسات مقدسية حتى تشرعن عملها في المدينة المحتلة.

يرى هلسة أن القدس هي ساحة خصبة جداً لهذه الأطراف لمحاولة فرض إملاءاتها وسياساتها المختلفة، ولكن يجب هنا أن نأخذ بعين الاعتبار أن أي لاعب يدخل إلى الساحة المقدسية؛ هو يدخل تحت المظلة “الإسرائيلية” أو الرغب “الإسرائيلية” والإرادة “الإسرائيلية” والعين “الإسرائيلية”، ولا يمكن أن تسمح “إسرائيل” لأي طرف كان أن يؤدي أي رسالة كانت في مدينة القدس إنسانية كانت أو خيرية أو تربوية أو تعليمية ثقافية إلا تحت عباءتها وسمعها وبصرها وبموافقتها المطلقة. وكل المحاولات التي قامت بها الأنظمة على مستوى الإقليم للدخول إلى مدينة القدس كانت محكومة بهذا السقف. مثل قضايا تخص معالجات قشرية سطحية هنا وهناك ولا تلامس عصب احتياجات المقدسيين الأساسي. مثلاً في قطاع الإسكان الذي يعاني نقصاً حاداً وتقوم “إسرائيل” بمجازر يومية فيه بحق الحجر والشجر والابنية، وهي جزء من محاولات الطرد “الإسرائيلية” المختلفة التي تنفذها تجاه الإنسان المقدسي.

يضيف هلسة أن هذه المحاولات والتدخلات المختلفة وعلى سبيل المثال حتى تدخل طرف كالاتحاد الأوروبي هو تدخل خجول في الحياة المقدسية، يسمح له بالتدخل في جزئيات بسيطة جداً تخص جوانب مثل الثقافة والشباب والجندر وقضايا شكلية لا تلامس عصب هموم المقدسيين واحتياجاتهم الأساسية في قطاع التربية على سبيل المثال وفي قطاع الإسكان. في قطاع التربية فيها آلاف الاحتياجات فيها بقص بآلاف الغرف الصفية، ولا يجرؤ أي طرف أن يقدم على خطوة تشكل فيها تحدي للسياسات “الإسرائيلية” في المنطقة، بحيث أن ينفذ مثلاً بناء مدارس أو بناء اسكانات لمواجهة ضائقة السكن في مدينة القدس. وبالعودة إلى الاتحاد الأوروبي مثلاً قام الاتحاد الأوروبي في الآونة الأخيرة وتحت ضغط المواقف والرغبات “الإسرائيلية” بإجبار المؤسسات المستفيدة على التوقيع على تعهد بأنها تبذ العنف أو ألا يكون طرف من أطراف هذه المؤسسات (مخربة أو إرهابية) حسب النظرة “الإسرائيلية” سواء كانت منتفعة أو مستفيدة من الدعم الذي سيقدم لهذه المؤسسات في القدس.

وفي سياق متصل أكد الباحث في جمعية الدراسات العربية الجعبري أن الإمارات في مستوى تحالف مع دولة الاحتلال، وهذا التحالف تم نقله للعلن من خلال توقيع ما يسمى باتفاق أبراهام، وأصبح لديها أدوات أخرى للتدخل في الساحة الفلسطينية، وهذه المرة التدخل فيما يتعلق بمصالح “إسرائيل” في مدينة القدس، فهي تعمل على عدة محاور في هذا المجال، المحور الأول تعمل على تقديم مساعدات لبعض المؤسسات من خلال مؤسسة قامت بإنشائها تتبع سياسياً لدولة الإمارات والتيار الإصلاحي في حركة فتح وهو تيار دحلان، ومن خلال هذا التيار تحاول الإمارات أن يكون لها وجود في مدينة القدس خاصة بالضواحي المحيطة بمدينة القدس.

وأضاف الجعبري أن الامارات تحاول إيجاد قاعدة واسعة لهذا التيار في مدينة القدس وهي بدورها عملت على ضخ ملايين الدولارات لمجلس القدس للتنمية والتطوير الاقتصادي التي يرأسها الدكتور سري نسيبة وهو رئيس جامعة القدس سابقاً، وهذه المؤسسة تعمل على دعم مؤسسات مختلفة، ولكن كما قلنا هدفها إيجاد قاعدة جماهيرية لمحور الإمارات دحلان في مدينة القدس. المحور الثاني: تحاول الإمارات وفي خطوط أخرى التدخل في الوضع التجاري لمدينة القدس لأنها تعي أن هناك أزمة مالية ضرائبية تجارية بسبب جائحة كورونا والاغلاقات الطويلة للمحال التجارية، وأصبحت غير قادرة على فتح أبوابها بسبب تراكم الضرائب، فالإمارات سعت ولدينا معلومات أنها سعت من خلال بعض الأشخاص لشراء بعض المحال التجارية في أسواق البلدة القديمة ولكن تم مواجهة هذه الخطوة.

وتابع الباحث الجعبري أن هناك معلومات أن دولة الإمارات حاولت شراء بعض المنازل داخل البلدة القديمة وخاصة الملاصقة للمسجد الأقصى، وتم مواجهة هذه الخطوة ومنعها، لان الإمارات قامت بهذه الخطوة مع بعض الجمعيات الاستيطاني، وتم إحباط هذه العملية. تحاول الامارات بالشراكة مع “الإسرائيليين” أن تكون جزء من مشروع واد السيلكون في منطقة واد الجوز بالقدس المحتلة، وهي منطقة يتم استهدافها من قبل الاحتلال بذريعة أنها جزء مما يسمى بالحوض المقدس.

مجلس القدس للتنمية والتطوير الاقتصادي كأداة لاختراق القدس اماراتياً

من بين المؤسسات التي دعمتها وساعدت في إنشائها دولة الإمارات العربية المتحدة في مدينة القدس هو مجلس القدس للتنمية والتطوير الاقتصادي والذي تعمل الإمارات على جعله بوابة للدخول إلى القدس وتحقيق أهدافها وأجندتها السياسية والاقتصادية تحت عباءة دعم القدس اقتصادياً واجتماعيا وتعليمياً.

يشير هلسة إلى أن هناك بعض الشخصيات وعلى رأسها الدكتور سري نسيبة التقت تحت ذريعة القدس تشكو الفراغ ولا وجود لمرجعيات سياسية واقتصادية تسد الفراغ وتلبي الاحتياجات المختلفة للمقدسيين، وقام السيد نسيبة مع عدد من الشخصيات التي اختلفت مع المرجعيات الفلسطينية بإنشاء مجلس القدس للتنمية والتطوير الإقتصادي. والأهداف المعلنة لهذا المجلس قيل إنه مؤسسة غير ربحية هدفها مساعدة المقدسيين في الجوانب الاجتماعية والإنسانية والاقتصادية ومحاولة ملئ الفراغ الذي حصل نتيجة تقصير الجهات الرسمية الفلسطينية.

يذكر أن سري نسيبة من أول من رفع شعار التطبيع مع الاحتلال “الإسرائيلي” قبل أكثر من عقدين من الزمن، ونادى بحل “الدولة الواحدة”، وقد نقلت القدس العربي في عام 2008 تصريحاً عنه فيما يخص ملف حق العودة بأنه لا خيار أمامنا إلا التضحية بحق العودة مؤكداً أنه: ” بالنسبة لي أريد أن أقول إنه مقابل القدس والمسجد الاقصى أعتقد بأن كل فلسطيني وكل لاجئ وكل عربي وكل مسلم مستعد أن يضحي، وضمن هذه التضحية تضحية اللاجئ الفلسطيني بموضوع العودة إلى قريته ومدينته التي هجر منها عام 1948″.[5]

ويؤكد هلسة على أنه قبل عامين أو أكثر تشكل مجلس القدس للتنمية والتطوير الاقتصادي بسبب علاقات نسيبة مع دولة الإمارات، ونحن نعلم أن شقيق نسيبة، زكي، هو مستشار لرئيس الإمارات وتبوء مناصب سياسية مختلفة في دولة الإمارات، وأيضا ابنة زكي نسيبة لانا هي المندوبة الدائمة للإمارات في الأمم المتحدة، وهي بالمناسبة كان لها دور مهم جداً في محاولة تمرير اتفاقية التطبيع، واحتفلت مع “الإسرائيليين” بهذه الاتفاقية. وبشكل أو بآخر وصلت الامارات إلى توافق مع هذا المجلس على أن يقوم صندوق أبو ظبي التنموي بدعم هذا المجلس بـ 12 مليون دولار، وفعلاً حولت هذه الأموال لهذا المجلس. وقد حاول المجلس توظيف هذا المبلغ للحصول على ولاء وشرعية لوجوده في مدينة القدس من خلال الدعم المادي الذي قدمه للعديد من المؤسسات التربوية والتعليمية والثقافية في مدينة القدس، والتي لجأت طبعاً إلى هذا المجلس بحكم وجود واقع مؤلم في مدينة القدس وهذا لا يخفى على أحد.

وفي حديثه عن الأهداف الإماراتية من دعم والمشاركة في إنشاء مجلس القدس للتنمية والتطوير الاقتصادي أوضح الأكاديمي المقدسي هلسة أن الهدف الإماراتي من دعم هذا المجلس كان من أجل التبعية والولاء، وهذا المال ليس مالاً خيرياً وليس مالاً مجانياً وليس مالاً انسانياً، فهذا المال له هدف سياسي، وهو في المحصلة النهائية يريد أن يملأ الفراغ السياسي في إطار صراع المحاور المختلفة -تركيا الأردن السعودية- بأن يكون هو صاحب اليد الأولى والطولى في مدينة القدس الذي يأمر وينهى تحت عباءة هذا الدعم الذي يقدمه للمؤسسات المقدسية. وأنت تعلم أن قضية هذا الولاء مهم جداً بالنسبة لهذه الأنظمة السياسية، والدور الاماراتي في مدينة القدس ليس دوراً جديداً، فقد سمعنا سابقاً عن محاولات بيع عقارات وتسريبها داخل مدينة القدس بأسماء شركات تبين لاحقاً بأنها تتبع لشخصيات إماراتية أو مؤسسات مالية ومصرفية كانت الامارات وراء تسريب هذه العقارات.

وأضاف أنه في المحصلة الدور الإماراتي في مدينة القدس ليس دوراً بريئاً، وهذا ما شهدناه وتوج باتفاقية تطبيع العلاقات بين الامارات من جهة وبين “إسرائيل” من جهة أخرى، وهو ما فتح الباب لدول أخرى في المنطقة لتحذو حذو الامارات.

المخاطر السياسية والوطنية من الدور الإماراتي في مدينة القدس

لا شك أن أي دور يتماهى مع الاحتلال “الإسرائيلي” يضر في عصب القضية الفلسطينية، ويشكل تحدياً اضافياً أمام الفلسطينيين على المستوى الشعبي والرسمي والفصائلي في معركتهم مع المحتل “الإسرائيلي”، وما دور دولة الإمارات في مدينة القدس ببعيد عن هذه الرؤيا.

ويشير الباحث الجعبري إلى أن التدخل الاماراتي في الشأن الفلسطيني يحمل مخاطر كبيرة على الفلسطينيين في القدس، و”إسرائيل” تسعى لتهويد مدينة القدس، ولكن الآن لديها شريك عربي وهي دولة الإمارات، للأسف دولة الإمارات تتبنى تماماً ما تسعى إليه “إسرائيل”، لذلك أؤكد أن الاتفاق مع الامارات ليس باتفاق سلام، بل هو تحالف ما بين دولتين، وسوف تسعى “إسرائيل” لتسخير مقدرات الامارات البشرية والمادية والمالية لتحقيق أهدافها في مدينة القدس، لذلك أعتقد أن تدخل الإمارات في قضايا التهويد في مدينة القدس سيشكل خطر إضافي فيما يواجهه الفلسطينيين في مدينة القدس من تهويد ومحاولة تغيير الهوية السياسية لهذه المدينة ولكن بأيدي دولة عربية بشكل مباشر.

وأضاف أن الامارات تسعى للتدخل في الشأن الفلسطيني وأيضاً تعمل بالشراكة مع “إسرائيل” بقضايا اقتصادية مختلفة ولكن عناوين هذه المواضيع جميعها عناوين سياسية، وهدفها تهويد مدينة القدس.

وأكد هلسة أن هذه السياسة بالتأكيد هي سياسة تصيب الثوابت الإسلامية والعربية في مقتل، حينما يصبح الغازي الباغي القاتل أخاً، حين يصبح وجوده طبيعياً على أرض احتلها وقتل الإنسان الفلسطيني العربي المسلم، حينما يكون احتلاله للمقدسات وتدنيسه له وتغيير ملامحها طبيعياً هذا بالتأكيد يضع علامات استفهام كبيرة هذه السياسة التي لطالما امتطتها “إسرائيل” واعتبرتها مقدمة وبوابة للدخول إلى العالم العربي والولوج إليه من أوسع الأبواب.

وشكلت تدخلات القوى الإقليمية العابثة في القضية الفلسطينية عقبة أمام الفلسطيني على المستوى الشعبي والرسمي والفصائلي، وأعطت الضوء الأخضر للمحتل “الإسرائيلي” حتى يمعن في ضرب وتصفية القضية الفلسطينية، وكان تتويج ذلك في إعلان اتفاق ابراهام في أغسطس من العام الماضي بين الإمارات والمحتل “الإسرائيلي”.

وتابع هلسة: هذا الواقع المؤلم الذي نعيشه في مدينة القدس يترك المجال مفتوحاً أمام هذه التجاذبات التي للأسف الشديد في نهايتها الخاسر الأول والأخير فيها هو الإنسان المقدسي والهوية الوطنية العربية في مدينة القدس التي تتجاذبها هذه الأطراف المختلفة. الانسان الفلسطيني يعيش أزمة انتماءه الوطني في داخل مدينة القدس، تجاذب هذه الأطراف المختلفة لهذا الانسان الذي بات مكشوفاً لا نصير له، يجعل من الانسان المقدسي واحتياجاته المختلفة ساحة نزاع وصراع دائم. وسيبقى هذا الحال قائماً في هذه المدينة المقدسة حتى تحين اللحظة التي يتعطش لها كل فلسطيني وعربي وكل مسلم حر وهو تحرير هذه المدينة وخلاصها من هذا الاحتلال ومن إفرازاته، ما يحدث هو جزء من إفرازات الاحتلال في المنطقة، هذا جزء من أحصنة طروادة التي يمتطيها الاحتلال للوصول إلى أهدافه وأغراضه المختلفة، ولا يمكن للاحتلال أن يسمح لأي جهة عربية مسلمة صادقة في نواياها وتوجهاتها تجاه فلسطين أن يكون لها موطئ قدم في هذه المدينة المقدسة إلا إذا أيقن بأن هذه الجهات ستلبي أو ستحقق مآربه الخبيثة بشكل أو بآخر في المدينة المقدسة وهذا ما نراه ونشاهده يومياً، وأنت لاحظ فيما يخص الدور الأردني ووصايته على المقدسات، “الإسرائيلي” حقر وقزم هذا الدور وأصبح لا يعدى من خلال مجلس الأوقاف الإسلامي مقدرته على إدارة بعض التفاصيل الفنية البسيطة فيما يخص احتياجات المسجد الأقصى تحديداً التمديدات الكهربائية والصرف الصحي وتمديدات المياه هنا وهناك، وهذه أيضا محكومة بالتراخيص “الإسرائيلية”، هذا حال مؤلم وصلنا إليه في مدينة القدس.

الديانة الابراهيمية كمشروع سياسي يجمع الامارات و “إسرائيل” لاستهداف القدس

روجت بعض الدول العربية لما يسمى بالديانة الإبراهيمية، لإعطاء صبغة شرعية لإعلان تطبيعها مع “إسرائيل”، واخفاء الأهداف الحقيقية من بناء هذا التحالف الساعي لتهويد مدينة القدس، وبسط السيطرة الإسرائيلية عليها بالكامل.

يرى أبو خضير أن مصطلح الديانة الإبراهيمية يأتي كغطاء وكاسم حركي لمسار ونهج الخيانة والتطبيع الأعرابي المشيخي مع الكيان الاحتلالي، وإشهار لزواج ملوث ومدنس كان مخفياً لعشرات السنين بين أغلب النظم العربية الرسمية المتهالكة منذ النشأة وبين السيد الأمريكي وكيانه الوظيفي وخلب هيمنته الكيان الصهيوني، وهو استغلال لمصطلح ديني تجميعي يضع اليهود والعرب المسلمين كأخوة وأحفاد للنبي إبراهيم بصد دغدغت المشاعر الدينية لشعوب الوطن العربي وتحويل عدو الأرض والإنسان إلى أخٍ وصديق، كيف لا والديانات والجد إبراهيم واحد.

ويؤكد أبو خضير أن مصطلح الديانة الإبراهيمية جاء غطاء لشرعنة الخيانة والهرولة التطبيعية واشهار تحالف أمني اقتصادي وسياسي استراتيجي بين هذه الدمى السلطوية وبين أعداء شعوبها. انه انكشاف لطبيعة التبعية منذ نشأة هذه النظم تحت مظلة وحماية وخدمة سيدها الأمريكي وربيبته الكيان الغاصب. انه تلاعب بعقول شعوبنا وامعان صلف في تزييف وعيها وتحويل للصراع عن أهدافه الحقيقية، ويراد به تطويع الشعوب لتقبل وتشرع التحالف مع أعدائها وبصورة مكشوفة ومبررة دينياً وتاريخياً، لتكون دولة الإمارات غير العربية والتي بدأت الحقائق بالتكشف والتساؤلات تتوالى وتكبر، حول ظروف وملابسات نشأة وتكون هذه الامارة المشيخية والتطور الصاروخي غير المعقول لنهضتها الاقتصادية، لتصبح أكبر مركز مالي عالمي في الوقت الذي لا يشكل سكانها الأصليون البالغ عددهم 800 ألف نسمة سوى 9% من مجموع سكانها الكلي، وكيف تحولت في السنوات العشر الأخيرة لأكبر مركز ثقل لضرب استقرار محيطنا العربي عبر ما يسمى بالربيع العربي مستخدمة أموال البترودولار الدنسة في تدمير واحراق كل من يرفض ويواجه الهيمنة الامبريالية الأمريكية على وطننا العربي ومقدراته.

وأوضح الباحث في جمعية الدراسات العربية الجعبري أن المشروع السياسي بين دولة الإمارات و”إسرائيل” هو أكبر من تطبيع، هناك مسعى بين الطرفين على أن يكون هناك تحالف وبرامج أمنية وعسكرية، وفيما يخص ما يسمى بالديانة الابراهيمية يحمل في طياته مشروع سياسي ينبثق منه أهداف دينية، و “إسرائيل” تسعى للسيطرة على المسجد الأقصى وليس فقط تقسيم المسجد الأقصى، وتعتقد هذه الديانة أن يكون هذا المكان مفتوح أيضاً لليهود، وتستمد هذه القراءات من قصص توراتية وتاريخية خاصة بالأسطورة التي تحاول أن تبني عليها وجود اليهود في فلسطين وخاصة في مدينة القدس، فهم يعتبرون أن هذا المكان يجب أن يكون متاح للجميع، وبناءً على الأهداف السياسية للمشروع الصهيوني الدينية صاغوا ما يسمى بالديانة الإبراهيمية والمقصود بها القضايا المشتركة بين الديانة اليهودية والمسيحية والإسلامية وهناك أيضاً طوائف تؤمن بهذا الحديث، وكل ذلك يصب في إطار هدم المسجد الأقصى والسيطرة عليه وإقامة المعبد اليهودي كما أن الإدارة السابقة للرئيس ترامب روجت لهذا المشروع وهو في الأصل مشروع سياسي وهدفه النهائي خدم أهداف “إسرائيل” بإقامة المعبد اليهودي داخل المسجد الأقصى من خلال تقسيمه أو هدمه لا سمح الله.

وأضاف الجعبري أن العلاقة ما بين “إسرائيل” والإمارات بالأساس هي علاقة تحالف ويوجد بينهما مصالح مشتركة، و”إسرائيل” تريد من علاقتها مع الامارات خدمة أهدافها في تغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى، لذلك كان هناك بوابة ما يسمى بالديانة الابراهيمية، لأن “إسرائيل” تسعى لإقامة مبنى قريب من المسجد الأقصى لإقامة مجلس للديانات الثلاثة، وهذا ما تسعى إليه “إسرائيل”، وتسعى من خلال إقامة هذه الديانة إلى لجذب أكبر عدد من السياحة خاصة من الدول الإسلامية، ونحن نعلم أن الإمارات ستصبح نقطة جذب وانطلاق للكثير من الدول الإسلامية خاصة في منطقة أسيا للقدوم إلى “إسرائيل”، كما أن “إسرائيل” تسعى لأن يكون هناك أكثر من عشرة مليون سائح سنوياً بما فيها الدول الإسلامية.

واختتم الجعبري حديثه بالقول: أعتقد أن الديانة الإبراهيمية تخدم هذا التحالف وهذه الأهداف الأمريكية “الإسرائيلية” وهناك التقاء مع الامارات بهذه الأهداف، وفي النهاية تعتبر الديانة الإبراهيمية أداة يتم توظيفها لخدمة هذا التحالف كقضايا الاقتصاد والتجارة والسياحة والرياضة والثقافة، و “إسرائيل” تستخدم كل هذه الأدوات بشكل ذكي لتحقيق أهدافها، ونحن نعلم أن الإمارات أعلنت في كثير من المناسبات عبر العديد من مسؤوليها أن لليهود حق في فلسطين وفي مدينة القدس وأيضاً لليهود الحق في الصلاة في المسجد الأقصى.

 

المصادر والمراجع:

[1] موقع مجلس القدس للتطوير والتنمية الاقتصادية.

https://www.jcdeg.org/ar/%D9%85%D9%86-%D9%86%D8%AD%D9%86.html

[2] موقع TRT، مؤسسة تكشف مساعي إماراتية لاستغلال الانتخابات للسيطرة على المشهد بالقدس، 18 فبراير 2021.

https://n9.cl/sric7

[3] موقع بوابة العين الإخبارية، بدعم إماراتي.. مجلس القدس يجدد أمل إنعاش اقتصاد العاصمة الفلسطينية، 22/02/2019.

https://al-ain.com/article/jerusalem-council-uae-support

[4] المرجع السابق.

[5] موقع دنيا الوطن، سري نسيبة: لا خيار امامنا الا التضحية بحق العودة، 30/07/2008.

https://www.alwatanvoice.com/arabic/news/2008/07/30/130464.html

 

زر الذهاب إلى الأعلى