مجد بربر.. حين يكون الإفراج والاعتقال انتصار

القدس المحتلة القسطل: يُزعج الإسرائيليون كثيرا أن يحتفي المقدسيون بأسراهم وشهدائهم ورموزهم الوطنية، ففي المدينة تضع “إسرائيل” كل خبرتها وخلاصة أبحاثها وسياستها لكي تخلق للمقدسيين هوية جديدة لها خصائصها الثقافية والاجتماعية والسياسية المختلفة عن تلك التقليدية المرتبطة بالصراع والتاريخ الحقيقي وحالة الاشتباك المستمر.

يوم أمس اعتقل الأسير مجد بربر مرة أخرى، بعد يوم واحد من الإفراج عنه من اعتقال دام لـ 20 عاما. داهم الاحتلال خيمة الاستقبال وهاجم كل من فيها، وكأنه يريد للصورة التي انتقلت من فضاء إلى فضاء في فلسطين والعالم لمجد وزوجته كتعبير مكثف عن الحب في زمن الثورة، أن تتشوه بـ”سيادة” الإسرائيلي المستعمر.

لكن مجد يُدرك جيدا خصوصية الفرح المرتبط بالصراع في العاصمة، فكل موقف مناسبة للمواجهة، فصرخ بأعلى صوته خلال عملية اعتقاله: “نحن لا نهزم” ليضرب بكلمة واحدة وعدة أحرف كل الخطوة والإجراء، ولينتصر – وهو أبو المنتصر – على السلوك الإسرائيلي العدواني المتكرر بحق أسرى القدس، وليكون بذلك قد كسر مرة بفرحه وأخرى بغضبه هيمنة المستعمرين على المدينة وفي كل مرة كان الأمر موثقا بالصورة.

وتقول الباحثة في شؤون القدس هنادي قواسمي عن ظاهرة إعادة اعتقال الأسرى المقدسيين: “منذ 5 سنوات تقريباً، كثّفت “إسرائيل” من هذا الأسلوب في القدس.. يُفرج عن الأسير من باب السجن الذي قضى فيه جزءاً من حكمه، فتأتي الشرطة وتُعيد اعتقاله، ويُقاد إلى مركز تحقيق المسكوبية. خاصّة إذا كان أسيراً من أصحاب المحكوميات العالية، أو ذا شعبية وحضور قوي في مدينته وفي قضيته”.

وتضيف قواسمي: “هناك يبدأ الضغط: لإفراج شرط الإبعاد عن القدس، أو الإفراج شرط منع الاحتفال ورفع الرايات، أو الإفراج شرط عدم التحدث للإعلام، وغير ذلك. عادةً، يُفرج عن الأسير في نفس اليوم أو اليوم التالي، مع اختلاف الشروط والتقييدات في كلّ حالة وحالة، وفي بعض الأحيان تتدخل الشرطة خلال ليالي الاحتفال: “اخفضوا صوت الموسيقى وإلا اقتحمنا الحفل”، أو “ممنوع الخروج خارج حدود البيت في مظاهر الاحتفال”.

وحول الأسباب الكامنة وراء هذا السلوك الإسرائيلي تشير قواسمي إلى أن جزءا من الإجابة كما يقول الأهالي: قتل الفرحة والتنغيص على العائلة. لكن جزءاً أساسياً آخر يتعلق بمحاولتها الحثيثة قتل أي وجود سياسي جمعيّ في المدينة. الاحتفال بالأسير يعني الاحتفاء بفعله وطريقه وتاريخه النضالي، الأغاني والهتافات والزغاريد ليست مجرد “فرحة” عادية، هي موقف سياسيّ يعكس تبنياً لقيم ومفاهيم لا تريد لها “إسرائيل” أن تبقى في “عاصمتها الموحدة”، ولا تريد لها أن تتعمم على الناس فيزيد في نفوسهم تقديرها وإعلاؤها، وبالطبع لا تريد لصورة الأسير كمناضل أن تتعزز في أذهان الفتية الذين كثّفت أدواتها مؤخراً لتغييب وعيهم، ولا تريد للمجتمع أن يبقى ملتفاً حول هذه القيم، لذلك تضايقها الاحتفالات، كما تضايقها المظاهرات والفعاليات التي لا تجري تحت إذنها. تلك الاحتفالات تكسر كل محاولات “إسرائيل”، وتُعيد قضية الأسير إلى مركز الاهتمام، لا باعتبارها قضية شخصية تخصّه هو وعائلته فقط، بل باعتبارها قضية سياسية نضالية تخصّنا جميعاً.

وترى الباحثة في شؤون الأسرى ومعدّة دراسة “الوعي الجسدي للأسرى تحت التعذيب”، مي هماش، في حديث لـ”القسطل” أن الهدف من المفاجآت الإسرائيلية في يوم الإفراج عن أسرى مدينة القدس، هو كسر الفرحة المقدسية، التي تعدّ تعبيرا وطنيا إلى جانب معانيها الإنسانية، وأيضا ضبط المشاعر الفلسطينية، وكسر رمزية يوم الإفراج، وإشعار المقدسي على وجه التحديد بالخوف والقلق في اليوم الذي كان من المفترض أن تكون فيه الانفعالات الإنسانية والوطنية لصالحه.

بدورها ترى الأسيرة المحررة والباحثة في شؤون الأسرى، المحاضرة في جامعة بيرزيت، رولى أبو دحو، في حديثها لـ”القسطل” أن القدس لها خصوصية مختلفة عن المدن الأخرى في منظور الاحتلال، الذي يسعى بكل قوة لإنهاء أي مظاهرة وطنية وفلسطينية فيها بما في ذلك الاحتفال بالأسرى المحررين، خاصة وأن هذه الاحتفالات يغلب عليها الطابع الوطني لأنها مرتبطة بحدث سياسي.

وتشير أبو دحو إلى أن أهالي بعض أسرى مدينة القدس اضطروا لإقامة الاحتفالات بالإفراج عن أبنائهم في مدن أخرى في الضفة الغربية وتحديدا في مدينة رام الله، كما جرى في حالة الأسير المحرر علاء العلي عام 2013، وهذا بحد ذاته يؤكد أن الهدف هو عزل المدينة عن كافة الاحتفالات الوطنية وما تحمله من دلالات.

وبحسب الأسيرة المحررة والباحثة أبو دحو، فإن الاحتلال يحاول تهويد القدس حتى في التفاصيل المتعلقة بالإفراج عن أسراها، كما ويريد ليوم الإفراج عنهم أن يتحول إلى نموذج للردع وتكريس السيادة، بالإضافة إلى سعيه لتفكيك النموذج، التي يبنى في ذهنية الجيل الناشئ عن الأسير، في ضوء أن مظاهر وصور الإفراج تعلق بذاكرة هذا الجيل.

ويؤكد الباحث في شأن السياسات الإسرائيلية في القدس، مازن الجعبري، أن حكومة الاحتلال الإسرائيلي اتخذت قرارا قبل ثلاث سنوات بمنع إقامة أي نشاط أو فعالية وطنية فلسطينية في مدينة القدس، وهذا ما يفسر الاشتراطات الإسرائيلية على الأسير وأهله بخصوص تفاصيل فعاليات يوم الإفراج.

وأشار الجعبري في مقابلة مع “القسطل” إلى أن دولة الاحتلال الإسرائيلي تتحايل على قانونها في هذا السياق، حيث يتم الإفراج عن الأسير للحظات بحكم أن محكوميته قد انتهت، ومن ثم يتم اعتقاله من قبل قوة تابعة لأجهزة أمن الاحتلال، ليتم إبعاده أو فرض شروط معينة عليه قبل الإفراج.

 

زر الذهاب إلى الأعلى