الذكرى الـ 13 لاستشــهاده.. المقدسي علاء أبو دهيم وتفاصيل العملية المعجزة

القدس المحتلة – القسطل: للقدس رمزيةٌ حضاريةٌ ودينية وثقافية خاصة، عند كافة أبناء الشعب الفلسطيني، والأمة العربية والإسلامية، ولكن للقدس أيضاً خصوصيةٌ موضوعية في مسيرة النضال والمقاومة الفلسطينية، فمنها انطلقت العديد من الثورات، وبسببها اندلعت العديد من الانتفاضات، وفي فترات ركود العمل المقاوم في فلسطين، كانت القدس حاضرةً بنقاط المواجهة، والعمليات النوعية، ومن أصعب الفترات التي مرت بتاريخ المقاومة الفلسطينية، الفترة بين عاميّ 2007 – 2015، وهي الفترة التي تلت  توقف الانتفاضة الفلسطينية الثانية (انتفاضة الأقصى)، وما تلى ذلك تصاعد القبضة الأمنية للسلطة الفلسطينية، التي عملت على تقويض أيّ عمل مقاوم داخل الضفة الغربية، وفي العام 2008، وعقب العدوان العسكري الإسرائيلي على قطاع غزة، في شباط 2008، وبعد عدة سنوات من الركود في مسار عمليات المقاومة المسلحة ضدّ الاحتلال الإسرائيلي، جاءت عملية مدرسة (هراف)، والتي اعتبرت العملية الفردية الأولى، على نمط عمليات (الذئاب المنفردة) في حالة المقاومة الفلسطينية، عقب انتهاء انتفاضة الأقصى، في العام 2005، ولكن في ذات السياق يذهب عددٌ من المختصين إلى أنّ العملية جاءت في سياق فعل المقاومة التراكمي المرتبط بالأجنحة العسكرية لفصائل المقاومة الفلسطينية.

محرقة غزة 2008

فجر يوم الأربعاء 27 شباط 2008، شنت طائرات الاحتلال الإسرائيلي عدواناً على قطاع غزة، واستهدف العدوان الإسرائيلي عدداً من المقاومين في منطقة المواصي، غرب خانيونس، واستشهد خلاله 6 مقاومين فلسطينيين من كتائب القسام وسرايا القدس، وسبق ذلك التصعيد تواصلٌ للاشتباكات ومحاولات التوغل من قوات الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة المُحرر منذ 3 سنوات، والتي كانت تقابلها المقاومة الفلسطينية بقصف المستوطنات الإسرائيلية في منطقة غلاف غزة، وبالعمليات النوعية التي نفذتها الوحدات الخاصة للمقاومة ضدّ قوات الاحتلال على أطراف القطاع.

مساء يوم 27 شباط 2008 بدأ العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والذي أطلق عليه الاحتلال الإسرائيلي اسم (الشتاء الساخن)، وامتد العدوان حتى يوم 7 آذار 2008، واستشهد خلاله 116 فلسطينياً، من ضمنهم 26 من النساء والأطفال.

ابن جبل المكبر يثأر لمحرقة غزة

في منزلٍ من منازل بلدة جبل المكبر، جنوب القدس، كانت الدماء تغلي في عروق ذاك الشاب، الذي كان يبلغ بالعمر آنذاك، 26 عاماً، وكان يعد العدة لعرسه القريب، إنّه الشاب علاء هاشم أبو دهيم، الذي كان يتابع أخبار محرقة غزة، بكل حرقة وغضب، كما روى ذووه في أحاديثٍ لهم لعددٍ من وسائل الإعلام سابقاً، يقول شقيق أبو دهيم: ” لم يذق علاء طعم النوم طيلة أيّام المحرقة “،  لم ينتظر أبو دهيم كثيراً، حتى يتحرك، ففي اليوم الأخير للمحرقة، وهو 7 آذار 2008، توجه علاء أبو دهيم من منزله في جبل المكبر إلى كنيس (هراف) المخصص للحريديم الصهاينة، في مستوطنة (كريات موشيه) غرب القدس، على بعد أمتارٍ قليلة من قرية دير ياسين، المهجرة، حاملاً بيده (كرتونة) تلفاز، وضع بداخلها بندقية (كلاشنكوف)، و7 (باغات).

جلس أبو دهيم في مكتبة المدرسة في الطابق الأول، وما أن دخل 80 مستوطناً صهيونياً المكتبة، حتى بدأ علاء بإطلاق النار نحوهم، من مسافة الصفر، ليوقع فيهم عشرات القتلى والجرحى، وبحسب مصادر الإعلام العبري، فقد بدّل علاء أبو دهيم مخزن الرصاص (الباغة) 7 مرات، ولم تتمكن قوات الاحتلال من إصابته وقتله، إلّا بعد نفاد ذخيرته، وذلك بعد أن قدم ضابطٌ صهيونيٌ يدعى (دافيد شابيرا) واشتبك مع الشهيد بصحبة اثنين من أفراد شرطة الاحتلال، ليرتقي علاء أبو دهيم شهيداً ب17 رصاصة أصابت جسده.

حصيلة العملية

على الرغم من أنّ المعطيات تشير إلى أنّ خسائر الاحتلال الإسرائيلي في عملية أبو دهيم، جسيمة، بسبب المدة الزمنية الطويلة لها، واستخدام 7 مخازن رصاص في تنفيذها، إلّا أنّ وسائل الإعلام العبرية تحذفت عن 8 قتلى صهاينة و30 جريحاً.

تضاربٌ في تحديد الجهة المنفذة للعملية

منذ الأيّام الأولى للعملية، تضاربت تقارير (الشاباك) الإسرائيلي والإعلام العبرية في معرفة وتحديد الجهة المنفذة للعملية، التي وصفتها الأوساط الصهيونية بالأقوى في القدس منذ 6 سنوات، أيّ منذ سنوات الانتفاضة الفلسطينية الثانية (انتفاضة الأقصى)، فمن الحديث عن دورٍ لحزب الله في العملية، واستبعادٍ لضلوع كتائب القسام فيها، إلى الإشارة لتنظيم (كتائب أحرار الجليل) وهو تنظيمٌ قدٌ أعلن وجوده في الداخل المحتل، منذ عدة سنوات، ولغاية اليوم يكتنفه الكثير من الغموض.

كتائب أحرار الجليل وعملية مدرسة هراف

مطلع العام 2003، أعلن بيان مجهول المصدر عن ولادة تنظيم تحت مسمى (كتائب أحرار الجليل)  ونفذ عملياتٍ قُتل خلالها 3 صهاينة، ليختفي، ثم يظهر في بيانٍ له، قبل عملية أبو دهيم، ب37 يوماً، ويتبنى عملية الاستيلاء على عددٍ من قطع السلاح من أفراد وحدة خاصة صهيونية، في الجليل الأعلى، ومما عزز في تلك الفترة فرضية ضلوع تنظيم (كتائب أحرار الجليل) إصدار التنظيم بيانين تبنيا العملية، تحدث أحدهما عن تحضيرٍ للعملية، قبل أيّامٍ من تنفيذها، فيما تحدث الآخر عن علاقةٍ تربط بين الشهيد علاء أبو دهيم، مع الشهيد أحمد محمود الخطيب، والذي استشهد في 10 آب 2007، بالقرب من المسجد الأقصى المبارك، خلال محاولته الاستيلاء على سلاح جندي صهيوني في المنطقة.

كتائب القسام تتبنى العملية

بتاريخ 27 تشرين أول 2010 وزعت كتائب الشهيد عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة (حماس) بياناً، نشرت نسخةً منه عبر موقعها الإلكتروني، تبنت خلاله عملية الشهيد علاء أبو دهيم، وأوضحت القسام في بيانها أنّ علاء أبو دهيم، هو أحد مجاهدي القسام، وأنّ العملية قدّ تمت بتخطيطٍ وترتيبٍ من كتائب القسام، وبيّنت القسام في بيانها أنّ تأخر الإعلان عن العملية جاء لأسبابٍ أمنية.

هل كانت عملية مدرسة (هراف) عمليةً فردية؟

تتضارب التحليلات حول طبيعة عملية مدرسة (هراف الفدائية) على الرغم من مرور 13 عاماً عليها، فمن المحللين من يعتبرها العملية الفدائية الفردية الأولى بعد انتفاضة الأقصى، والتي تلتها عدة عمليات أخرى في الفترة بين عامي 2008 و2015، مثل عملية الشهيد حسام دويات، الذي دهس بجرافته عدداً من المستوطنين الصهاينة، في شارع يافا، غرب القدس، ليوقع 3 قتلى، وذلك بتاريخ 3 تموز 2008، ولكن في ذات الوقت يرى عددٌ من الباحثين أنّ عملية مركز (هراف) لم تكن فرديةً، من حيث التخطيط والتجهيز، ومنهم الباحث والكاتب الفلسطيني، ساري عرابي، والذي يرى أنّه وبما أنّ هناك جهاتٍ قد تبنت العملية، سواء كانت فصائل قوية وراسخة مثل كتائب الشهيد عز الدين القسام، أو لا تتمتع بقدرٍ عالٍ من الهوية الواضحة، مثل (كتائب أحرار الجليل) فإنّ ذلك يشير بشكلٍ واضحٍ إلى أنّ عملية مدرسة (هراف) لم تكن عمليةً فردية، ويقول عرابي: ” إذ أردنا أن نرجح بين بياني كتائب القسام وكتائب أحرار الجليل، فأنا أرجح بيان كتائب القسام، فالكتائب جهةٌ معروفةُ الهوية، بينما أحرار الجليل، هي جهة قد ظهرت فجأةً واختفت، وهذا ما يتطلب مزيداً من البحث والتحري، حول ماهية تلك الجهة، وهل هناك شخصياتٍ قد أسست تلك الجهة فعلاً، وتم اعتقالها لدى الاحتلال الإسرائيلي، وذلك عبر مراجعة لوائح الاتهام والإفادات، والتأكد منها “.

ويضيف عرابي: ” نحن في عملية مدرسة (هراف) أمام 3 احتمالات، إما أنها عملية فردية، أو أنّ القسام يقف خلفها، أو أنّ أحرار الجليل تقف خلفها، وأضعف تلك الاحتمالات، أنّ تكون أحرار الجليل، هي من نفذت العملية”.

وبالعودة لتحليل الظروف الموضوعية والسياقات التي وقعت خلالها عملية مدرسة (هراف)، فقد كان عام 2008، ليس ببعيدٍ عن سنوات انتفاضة الأقصى، وما زالت آثار الانتفاضة موجودةً في المجتمع الفلسطيني، وبالإضافة إلى ذلك يشير الباحث ساري عرابي في مقابلة مع “القسطل” لظروف قطاع غزة في تلك الفترة، إذ شهدت غزة، ومن بعد (الحسم العسكري) وسيطرة حركة حماس عليه، العديد من فصول المواجهة بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، ويقول عرابي: ” بإمكاننا قراءة عملية الشهيد علاء أبو دهيم، في سياق استمرار الانتفاضة، والانتقام لشهداء فصول المواجهة مع المحتل الإسرائيلي في غزة “.

عن الحديث عن التفاصيل الميكانيكية أو الإجرائية في العملية، فمن الملاحظ أنّ العملية قدّ تمت بواسطة بندقية (كلاشنكوف) الروسية، وهي قطعة سلاح تتطلب عملية نقلها إلى منطقةٍ كجبل المكبر، وسط حدود بلدية القدس الاحتلالية، جهدٌ منظماً، وعملاً أمنياً، قد يستحيل تنفيذه بجهودٍ فردية، وبالعودة لعددٍ من العمليات الفردية، مثل عملية: مهند الحلبي، مطلع تشرين أول 2015، والاشتباك الذي خاضه الشهيد باسل الأعرج، قبيل استشهاده في 6 آذار 2017، وعملية ابنيّ العم خالد ومحمد مخامرة، في تل أبيب، بتاريخ 8 تموز 2016، فنلاحظ أنّ السكاكين وسلاح (الكارلو) المصنع في مخارط الضفة الغربية، كانت أدوات تلك العمليّات، ولم يحضر (الكلاشنكوف)، مثلاً، إلّا في عملياتٍ محدودة، مثل عمليات الشهيد محمد الفقيه، في محيط منطقة الخليل، في العام 2016، وعمليات الشهيد محمد نصر جرار، في منطقة جنين، في العام 2018، وعمليات الشهيد صالح البرغوثي، في منطقة رام الله، في العام 2019، وجميع تلك العمليات، وشهدائها كانت تربطهم علاقاتٍ مع كتائب الشهيد عز الدين القسام، بشكلٍ أو بآخر، بمعنى أنّ تلك العمليات التي توفرت فيها إمكانيات التخفيّ، وامتلاك السلاح الرشاش، والتجهيزات العسكرية، كما توفر لدى أبطالها مواصفاتٌ موضوعية، مثل: رباطة الجأش، والحس الأمني العالي، تشير إلى أنّ من نفذوها قد تلقوا تدريباتٍ عسكرية، ودعماً مباشراً، أو غير مباشر، من جهاتٍ معينة، وهذا ما قد يتعارض مع فرضية أنّ تلك العمليات، ومن قبلها عملية الشهيد علاء أبو دهيم، كانت عملياتٍ فردية.

ملاحقةٌ لعائلة الشهيد بعد 10 سنواتٍ من استشهاده

يطبق الاحتلال الإسرائيلي، ومنذ احتلاله للقدس في 7 حزيران 1967، سياسة العقاب الجماعي بحق أسر الشهداء والأسرى، وكل من يقاوم الاحتلال في القدس، ومن ضمن تلك العائلات، عائلة أبو دهيم، التي يلاحقها الاحتلال حتى في لقمة عيشها، وبتاريخ 28 حزيران 2018 صادر مبلغاً يقدر بأكثر من 5000 شيكل، من منزلها، بزعم تلقي أسرة الشهيد (أموالاً من حركة حماس)، لتستمر معاناة أسر من قدموا أرواحهم من أجل القدس، وصمدوا فيها من بعد فقدانهم لأحبائهم.

 

 

 

 

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى