مجتمع وثقافة

400 عام من الذِكر والتصوّف.. قصة الزاوية النقشبندية بالقدس

 

قبل 400 عام، جاء من نقشوا اسم الله على قلوبهم، ويُطلق عليهم “النقشبنديون” إلى مدينة القدس، تحديدًا في العصر المملوكي، وأول من جاء هو الشيخ عثمان بيك الصوفي، وأسس الزاوية النقشبندية (البخارية) في البلدة القديمة بالقدس، والزاوية البخارية أو النقشبندية هي واحدة من عدد كبير من الزوايا والخوانق والتكايا التي تجدها على أطراف الطرق في البلدة القديمة، وأما عن الزوايا فتسّمى كل واحدة نسبة إلى المنطقة التي جاء منها المؤسس ويعتبر رعايا هذه المناطق هم أول من أقاموا فيها، فهناك الزاوية الهندية والأفغانية والبخارية.

النقش بند أي اسم الله على القلب

وأنت تمشي في طريق المجاهدين تجد على جانبك الزاوية النقشبندية التي تقع في المنطقة المتوسطة بين باب الملك فيصل وباب الغوانمة، لكنها الأقرب إلى باب الغوانمة المؤدي للمسجد الأقصى المبارك، وفي مقابلها دير راهبات صهيون، يقول الأستاذ في التاريخ والآثار خضر نجم “تقع الزاوية البخارية بمحاذاة المسجد الأقصى، وسميت بالزاوية البخارية نسبة إلى مدينة بخارى التي جاء منها مؤسس الزاوية، ونقشبندية نسبة إلى الصوفيين الذين نقشوا اسم الله على قلوبهم” إذ يُعرف أن القائمين على الزاوية هم صوفيون وكانوا يستقبلون الصوفيين والدراويش  من رعايا دول أواسط آسيا.

ويضيف نجم لـ”القسطل” “كغيرها من الزوايا تأسست الزاوية النقشبندية لاستقبال الحجاج الذين كانوا يأتون للمسجد الأقصى لتقديس الحجة بعد مكة المكرمة “، لكن السبب الآخر في إقامتها هو نشر الثقافة النقشبندية والعبادة الصوفية في المدينة نظرًا لقلة من كانوا يتبعون هذه الطريقة في العبادة وقلة من يعرفون “النقشبندية”، فتقول السيدة وفاء البخاري، ابنة موسى يعقوب البخاري “تأسست الزاوية في وقت كان فيه عدد الصوفيين والنقشبنديين قليل جدًا”.

وتضيف “الزاوية كانت تستقبل الحجاج من أواسط آسيا، أوزبكستنان، وطاجكستان، وبخارى، وسمرقند، وبعض الأفغان” وتعد السيدة وفاء آخر أبناء شيخ الزاوية وهي تعتني بالزاوية وذكرياتها فيها.

طقوس مندثرة وذكريات باقية

للزاوية النقشبندية قديمًا طقوس صوفية خاصة -لم تعد موجودة حاليًا-، تعود هذه الطقوس للبلاد التي جاء منها شيوخ الزاوية، فتقول السيدة وفاء “هناك أربع غرف للشيوخ الصوفيين لإقامة حلقات الذكر، وقراءة القرآن، فهذه الحلقات كانت تقام ليلة يوم الجمعة وليلة يوم الإثنين بطريقة الهمس” ولكن من أشهر هذه الطقوس، الطعام الذي كان يُعده شيخ الزاوية بمساعدة الدراويش، لإطعام رواد الزاوية وكل من يأتي إليها.

وما إن يصل الزوار للزاوية حتى يتم استقبالهم وضيافتهم بالشاي البخاري، المصنوع على طريقة السموار الأوزبكية، حيث يصب الشاي من إناء نحاسي في البايلا وهي ما تشبه الإناء القيشاني هذه الأيام، تقول السيدة وفاء “لا يتم وضع السكر في الشاي الذي غالبًا ما يكون شاي أخضر، وإنما يتم تناول التين المجفف “القطين” وإن أراد الزائر السكر فيضع مكعب صغير تحت لسانه وليس في البايلا” في حين كانت تتم العبادات والطقوس باللباس الخاص لتلك الدول، حيث أن الخامة الأساسية له هي الحرير، إذ يرتدي الرجال ما يشبه العباءة الطويلة ذات الأكمام الطويلة لتحمي من البرد الذي تمتاز به تلك الدول، في حين ترتدي النساء الفساتين الحريرية الزاهية.

لا تمويل بعد الاحتلال

على مدار سنين بعد تأسيس الزاوية كان التمويل ذاتيًا من إيراد الدكاكين والمتاجر التابعة للزاوية، لكن فيما بعد تولت الدولة العثمانية تمويل الزاوية، ثم أوكلت المهمة للأوقاف الاسلامية، إلا أنه لا تمويل يّذكر بعد الاحتلال الاسرائيلي، وهذا ما ساهم باندثار طقوس الزاوية، إلى جانب إهمالها، فبعد الاحتلال، قل وصول الحجاج للمدينة إلى أن اندثرت الطقوس كافة مع وفاة الشيخ موسى يعقوب البخاري في السبعينات، تقول السيدة وفاء لـ”القسطل” “لم يعد هناك عدد من البخاريين في فلسطين، فبعد الاحتلال انتقلوا إلى الأردن، وبعضهم خرج من القدس وانتشروا في نابلس والناصرة”.

لم يتبقّ الكثير

لم يتبقّ من الزواية سوى أجزاء قليلة، جامع تقام فيه صلاتين فقط بالإضافة أماكن للسكن ومؤسسة، وبحسرة دفينة ظهرت على صوتها، أنهت السيدة وفاء حديثها، “أجدادي بنوا الزاوية بالعلم، والمعرفة فكلهم علماء أسسوا مكتبة، جاء لها رواد للتزوّد من كتبها من كافة أنحاء العالم، والجهل هدم هذه الزاوية، بعد 400 عام من الذِكر والعلم فيها”.

 

 

 

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى