شهداء عملية البراق الثلاثة.. بكت من حنين عليهم فلسطين

القدس المحتلة – القسطل: منذ بداية الصراع بين الشعب الفلسطيني، ومن سانده من أبناء الأمتين: العربية والإسلامية، والمشروع الصهيوني كرأس حربة للمشروع الاستعماري الغربي للمشرق العربي، على أرض فلسطين، والقدس حاضرةٌ، في قلب الصراع، محركةً ورافعةً، وخافضةً منكسة، ففيها بُنيت أول المستوطنات ومنها انطلقت أول الثورات، وباحتلالها انقلبت العديد من المعطيات، وكما للقدس من رمزية في القضية الفلسطينية، فإنّ الرمزية المرتبطة بالشهداء توازي بالأهمية المادية والمعنوية، أهمية القدس، ومركزيتها في الصراع، ومن سنتحدث عنهم هنا، شهداءٌ ثلاثة، كانت بداية تجربتهم الأخيرة، عمليةً في القدس، قدّ تكون من ضمن الأسباب التي أدت لاغتيالهم.

موعدٌ مع الشهادة في ليماسول

صباح يوم 14 شباط 1988، كانت مدينة ليماسول في قبرص على موعدٍ مع ارتقاء 3 شهداء من أبرز قادة المقاومة الفلسطينية، في العصر الحديث، وهم: محمد محمد ابحيص (أبو الحسن قاسم)، ومحمد باسم التميمي (حمدي)، ومروان الكيالي. استشهد ال 3 على يد وحدةٍ خاصة من وحدات جهاز الموساد (الصهيوني) زرعت عبوةً ناسفةً في سيارة كانوا يستقلونها من المنزل الذي يقيمون فيه إلى أحد مقاهي ليماسول. كان القادة ال 3 على رأس قائمة المطلوبين لأجهزة الاحتلال الصهيوني، بسبب قيادتهم للعمل العسكري النوعي الذي كان يتم في الأرض المحتلة، خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى، تحت عدة مسميات من أبرزها (سرايا الجهاد الإسلامي) و(الجهاد الإسلامي في فلسطين) وغيرها، ومن أبرز تلك العمليات، قبل الانتفاضة وخلالها، عملية الأسيرة المحررة عطاف عليان، التي حاولت تنفيذ عملية فدائية لتفجير مقر رئاسة الوزراء الصهيوني، وعملية حائط البراق، في القدس، وتمكن عملاء (الموساد) من رصد الشهداء ال3، صدفةً خلال تواجدهم في ليماسول لرصد وتتبع سفينة العودة، التي أعلنت منظمة التحرير الفلسطينية عن نيتها لإطلاقها من ليماسول، وتم تفجيرها من وحدات صهيونية خاصة بعد يومٍ واحدٍ من استشهاد القادة ال3.

 

من السرية إلى السرايا

عند الحديث عن الشهداء ال3 فنحن نتحدث عن سير مختلفة لمقاومين فلسطينيين، تلاقوا في بيروت، وقرروا أن تكون المعركة مع الاحتلال من داخل فلسطين المحتلة، لا على حدودها، فأبو الحسن قاسم، كان من أوائل الكوادر العسكرية لقوات العاصفة في حركة فتح، وتلقى دورةً أمنيةً كانت الأولى لكوادر الحركة في مصر، في العام 1967، ليعمل ضمن جهاز الرصد الثوري في الحركة لغاية العام 1971، وخروج المقاومة الفلسطينية في الأردن، إذ التحق الشهيد أبو الحسن ب(القطاع الغربي) أو (جهاز الأرض المحتلة)، وعمل مع الشهيد كمال عدوان، وكانت مهمة هذا الجهاز تنفيذ العمليات الفدائية، وتنظيم الخلايا الفدائية، داخل فلسطين المحتلة، أما الشهيد حمدي التميمي فقد بدأ عمله المقاوم منذ شبابه المبكر، منذ أن كان في ال17 من عمره، بعد أن التحق بحركة فتح وشارك في معركة الكرامة، في آذار 1968، بشكلٍ سريٍ، بعد أن غادر مدينته الخليل، وشارك في القتال، ثم عاد لها، وفي العام 1972 تعرف بالشهيد أبو الحسن القاسم، خلال عمل الاثنين في (جهاز الأرض المحتلة)، وفي بيروت وبصحبة الشهيد مروان الكيالي، وعددٍ من رفاق ال3 تأسست السرية الطلابية، التي شكلت سياقاً اعتراضياً داخل حركة فتح، وفي ذات الوقت أسس الشهداء ال3 لجنة ال77، التي قادوا من خلالها الدوريات الفدائية المنطلقة من الأردن وفلسطين نحو الأرض المحتلة، ومع تصاعد المد الإسلامي في العالم، في العام 1979، وما بعده، انتقل تيار السرية الطلابية، انتقالاً سلساً، كما يصفه المفكر منير شفيق من الماوية إلى الإسلام، لتتشكل سرايا الجهاد الإسلامي، وكانت الفكرة من السرايا تأسيس جسم نضالي ينقل خبرات المقاومة الفلسطينية من خارج فلسطين إلى داخلها، حيث تلك المجموعات الفدائية، التي تنتمي لخلفيةٍ إسلامية، والتي تمخضت لاحقاً عن تأسيس حركتيّ حماس والجهاد الإسلامي، وفي ذات الوقت نفذت سرايا الجهاد الإسلامي، باكورة عملياتها في القدس، وفي ساحة البراق تحديداً، في سلوان على بعد أمتارٍ من السور الجنوبي للمسجد الأقصى، وباب المغاربة الخارجي، وذلك في 16 تشرين أول 1986.

 

عملية حائط البراق

بعد عدة سنوات من التخطيط والتأهيل للعديد من المجموعات الفدائية داخل فلسطين المحتلة، بدأ التفكير من تيار السرية الطلابية بإطلاق (مسمى سرايا الجهاد الإسلامي) عبر عمليةٍ نوعيةٍ، وفي بقعةٍ تحمل من الرمزية القدر العالي، ووقع الاختيار على القدس، وفي أقرب نقطةٍ للمسجد الأقصى المبارك، في ساحة وادي حلوة، أو ساحة المغاربة، والتي تقع أقصى شمال سلوان، على بعد أمتارٍ من باب المغاربة الخارجي، والذي كان يشهد في 16 تشرين أول من كل عام تخريج الضباط المتأهلين في لواء (جفعاتي) في جيش الاحتلال الصهيوني، ولتنفيذ هذه العملية تم الترتيب مع قائدٍ من أبرز قادة العمل الفدائي في القدس المحتلة، والذي نفذ عدة عمليات سابقة مع سرايا الجهاد الإسلامي، وهو سمير أبو نعمة، وتم اختيار الأخويّن عبد الناصر وطارق الحليسي، لتنفيذ العملية، وإبراهيم عليان لنقلهما من وإلى مكان العملية.

 

توجه الـ 3: عبد الناصر وطارق الحليسي، وإبراهيم عليان إلى منطقة البلدة القديمة ومنها توجه طارق وعبد الناصر إلى منطقة القصور الأموية، وبصحبتهم جيتارين بداخلهما عددٌ من القنابل، ومن هناك عزف الأخويّن ألحان الموت لأفراد وحدة جفعاتي الصهيونية، وضباطها، وتم الإعلان عن وقوع 80 إصابة في صفوف أفراد الوحدة بين قتيلٍ وجريح.

 

مصير أبطال العملية ال 4 

في مددٍ متنوعة من شهر تشرين أول 1986 تم اعتقالُ كلٍ من: عبد الناصر الحليسي، وطارق الحليسي، وإبراهيم عليان، وسمير أبو نعمة، وتم الحكم عليهم جميعاً بأحكامٍ متنوعةٍ من المؤبدات، ليفرج عبد الناصر وطارق الحليسي، وإبراهيم عليان، في صفقة (وفاء الأحرار) في تشرين أول من العام 2011، وتم إبعادهم جميعاً إلى قطاع غزة، فيما لا يزال سمير أبو نعمة في سجون الاحتلال الصهيوني، وهو عميد الأسرى المقدسيين في سجون الاحتلال.

 

المصادر:  

  • معين الطاهر، سرايا الجهاد في فلسطين: الحكاية التي لم ترو، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 107، صيف عام 2016.
  • ساري عرابي، تحولات الأيدولوجيا والسياسة في الحركة الوطنية الفلسطينية: الكتيبة الطلابية نموذجاً (رسالة ماجستير)، جامعة بيرزيت، كلية الآداب – قسم الدراسات العربية المعاصرة.
  • منصة فلسطين 27، عملية حائط البراق التي نفذتها سرايا الجهاد عام 1986، إعداد كمال الجعبري، https://www.youtube.com/watch?v=RsTaq13zzaM .
  • منصة فلسطين 27، أبو الحسن قاسم وباسم التميمي ومروان الكيالي 3 شهداء كانت شهادتهم خسارة كبيرة للمقاومة، إعداد كمال الجعبري، https://www.youtube.com/watch?v=hLa3havh7EY .
  • مقابلة مع الأسير المقدسي المحرر شعيب أبو سنينة، تشرين أول 2020، أجريت المقابلة بواسطة الهاتف.
زر الذهاب إلى الأعلى