أسرلة العملية التعليمية في القدس.. السياق والأهداف وسبل المواجهة 

 

مقدمة:

تعرضت مدينة القدس منذ النكبة الفلسطينية عام 1948 لهجمة شرسة طالت كل مناحي الحياة، حيث أقدم الاحتلال “الإسرائيلي” على انتهاج العديد من السياسات التهويدية هدفت من خلالها إلى فرض واقع جديد على الأرض. من خلال سياسات هدم منازل الفلسطينيين ومصادرة أراضيهم وطرد السكان العرب من منازلهم. كما وفرضت قبضتها على المؤسسات الرسمية في المدينة، وأصدرت العديد من القوانين التي كرست للاحتلال عملية تهويد تلك المؤسسات، وخاصة المؤسسات التعليمية، التي تعتبر مدخل الاحتلال للعقل الفلسطيني في المدينة المقدسة.[1]

ونظراً لأهمية قطاع التعليم ودوره الأساسي في تنشئة جيل واع لقضيته، كان التعليم في القدس المحتلة هدفاً رئيساً لسلطات الاحتلال لتدميره واضعافه، حيث أصبح يعاني قطاع التعليم في مدينة القدس من سياسات الاحتلال كغيره من القطاعات، فبات الآلاف من الطلاب دون مقاعد دراسية، والعديد من المدارس تفتقر لأدنى المقومات والأساسيات من معلمين وقرطاسية وخدمات، ناهيك عن تهويد المناهج الدراسية وتحريفها، اضافة لوضع معيقات أمام عملية بناء المدارس وترميمها.[2]

ويؤكد الأكاديمي المقدسي المتخصص في علم الحضارات الدكتور علي قليبو لـ”القسطل” أن أسرلة العملية التعليمية في مدينة القدس ليست بفكرة جديدة بل بدأت مع الاحتلال، فقد حاولت “إسرائيل” الهيمنة وتهويد وتطبيع وترويض الفكر الفلسطيني من أجل السيطرة على الانسان الفلسطيني وتحويله إلى حامل للفكر “الإسرائيلي” التطبيعي، وأن يؤمن بالتاريخ حسب الرؤيا “الإسرائيلية” حتى تتوافق مع النظرة الصهيونية.

وأوضح الأكاديمي قليبو أن مديرة مدرسة المأمونية السيدة علية نسيبة كانت من أوائل من رفض التطبيع مع الاحتلال “الإسرائيلي” ورفضت أسرلة المناهج التعليمية لأنه إذا تعلم المقدسي ضمن نظام البجروت “الإسرائيلي” يعني فقدان المقدسي شخصيته العربية وانتماءه العربي.

وتابع قليبو أن مساهمة السيد علية نسيبة هي من أرست قواعد الصمود ومقاومة تطبيع مع الاحتلال ومحاولتهم إلغاء المنهاج الاردني واستبداله بالمنهاج “الإسرائيلي” فأسست مدرسة النظامية وقامت بالتعاون مع حسني الأشهب بالمحافظة على شخصية القدس العربية عبر المحافظة على منهاج التوجيهي الأردني بالتعاون مع حسني الأشهب. مؤكداً أن نسيبة هي من وضعت النواة الأولى لمواجهة أسرلة التعليم في القدس.

ونتيجة لنكبة 1948، انقسمت مدينة القدس إلى شطرين، وقع الجزء الغربي منها تحت السيطرة “الإسرائيلية”، في حين دُمج الجزء الشرقي منها وباقي الضفة الغربية مع المملكة الأردنية الهاشمية، وبذلك أتبعا للنظام التعليمي الأردني.  وفي عام 1950 أُنشئت وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينين (الأونروا)، والتي وفرت في البداية تعليماً مدته 9 أعوام للأطفال المقدسيين، وفي 1994/8/28 أُنشئت وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية فتسلمت هذه الوزارة مسؤولية التعليم بجميع جوانبه في الضفة الغربية وقطاع غزة، باستثناء القدس، حيث استلمت فقط مدارس الأوقاف، أما اليوم فتتوزع الهيئات المشرفة على التعليم في القدس على أربع جهات رئيسة، هي: الأوقاف الإسلامية (وتتبع للسلطة الوطنية الفلسطينية)، ووزارة المعارف وبلدية القدس التابعتان للاحتلال، والقطاع الخاص، ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا).[3]

     وبعد هزيمة العرب في حرب 1967 واحتلال “الإسرائيليين” شرقي القدس، ألغت سلطات الاحتلال العمل بقانون التعليم الأردني ووضعت التعليم الابتدائي تحت رقابة وزارة المعارف “الإسرائيلية”، والتعليم الثانوي تحت رقابة بلدية القدس “الإسرائيلية”، كما أغلقت مكتب التعليم في محافظة القدس، واعتقلت العديد من مسؤولي التربية والمعلمين بمن فيهم مدير التربية، أما المدارس الخاصة المحلية والأجنبية فسمح لها بإدارة شؤونها، وإن ظلت تخضع لضغوط مباشرة وغير مباشرة لمحاباة سياسات الاحتلال، وخاصة في المناهج.[4]

  وقد شرعت سلطات الاحتلال “الإسرائيلية” مؤخراً بتنفيذ القرار القاضي بإلزام المدارس العربية في القدس المحتلة بتدريس المناهج والكتب الصادرة عن دائرة المعارف في بلدية الاحتلال بالمدينة حيث قامت بتوزيع تلك الكتب على العديد من المدارس الخاصة في المدينة وهددت المدارس التي لا تلتزم بهذا القرار بالإغلاق وفصل مدرسيها. وبموجب تنفيذ هذا القرار تضيف إسرائيل إلى ميراثها الممعن في خرق القوانين الدولية تعديا جديدا على الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، فهي بذلك تكون قد اخترقت بندا كاملا من معاهدة جنيف الرابعة التي تنص على الوضع التعليمي في البلاد المحتلة حيث يقع على عاتق الدولة المحتلة توفير الأجواء التعليمية المناسبة للطلبة دون المساس في مجرى العملية التعليمية أو منع استمرارها.[5]

 يذكر أن وزارة المعارف “الإسرائيلية” وبلدية القدس “الإسرائيلية” منعتا منذ بداية العام الدراسي 2009-2010 التعليم المجاني للطلبة العرب في مدينة القدس الأمر الذي سيحرم آلاف الطلبة المقدسيين من فرص التعليم والتحصيل العلمي بحكم الظروف المعيشية الصعبة التي يعيشونها بسبب ما تفرضه عليهم سلطات الاحتلال من ضرائب.[6]

واقع التعليم في مدينة القدس

يعاني الواقع التعليمي في مدينة القدس من حالة تشتت عام، حيث يطبق على الطلبة الفلسطينيين في مدينة القدس عدد من الأنظمة التعليمية ذات مرجعيات مختلفة، فقد سيطرت “إسرائيل” على المدارس الحكومية، باعتبار أن الحكومات- ومنها حكومة الاحتلال- ترث بعضها، في حين تركت المدارس الخاصة ومدارس وكالة الغوث على حالها، أما بقية المدارس ونعني بها مدارس الأوقاف الأردنية، فقد عاملتها “إسرائيل” بشكل مختلف، بسبب إدارة الحكومة الأردنية للأوقاف وما تبعها من مدارس، وقد ترسخ الحال بعد اتفاقية السلام بين المملكة الأردنية الهاشمية و “إسرائيل” التي تبعت اتفاقية أوسلو، حيث ساهم التفاهم الفلسطيني الأردني في إدارة تلك المدارس من خلال وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية.[7]

     وخلال القرن العشرين عانى الشعب الفلسطيني من تبعات الاحتلال الأجنبي وسـيطرته على شتى القطاعات، واختلفت غايات وفلسفات التعليم من فترة لأخرى؛ فقد تعاقبت على مدينة القدس تباعاً خمس سلطات، العهد العثماني، والاحتلال البريطاني، والحكم الأردني، والاحـتلال “الإسرائيلي” حتى إنشاء السلطة الفلسطينية، وكان التعليم في القدس من أكثـر القطاعات تـأثراً بالتحولات السياسية المختلفة، وما رافقها من مناخات اجتماعية وثقافية واقتصادية.[8]

ويشكل التعليم في مدينة القدس أحد أهم وأخطر التحديات التي يواجهها المجتمـع المقدسي، والذي ينفرد بخصائصه وميزاته تبعاً لخصوصية الواقع فـي المدينـة، وتنبـع هـذه التحديات من أهمية التعليم، وعلاقته المباشرة في بناء الفكر والقيم والمفاهيم والمبادئ، وفي بناء هوية الأفراد والمجتمعات، حيث يكتسب موضوع التعليم أهميته الخاصة في مرحلة مهمة مـن تاريخ الشعب الفلسطيني وهو يجاهد لتحرير وطنه، وبناء مؤسساته، وبلورة مناهجه التعليمية.[9]

التأثير على هوية الطالب الفلسطيني

يهدف الاحتلال “الإسرائيلي” من أسرلة التعليم للطلبة الفلسطينيين في القدس إلى إفراغ النظام التعليمي الفلسطيني من إطاره الوطني، وطمس الهوية الفلسطينية ومقوماتها ودلائلها من المناهج الفلسطينية، وتؤدي إلى إفراغ فكر الجيل المقدسي الناشئ من ارتباطاته التاريخية الإسلامية والعربية، وهذا بحد ذاته معاناة وطنية ترتبط بالهوية الفلسطينية، وسياسة تجهيل متعمدة ضد ما هو فلسطيني تقوم به “إسرائيل”. ومن الناحية التعليمية والفكرية، فإن أساس هذه السياسة هو فرض رؤية “إسرائيلية” على المناهج التعليمية الفلسطينية، وجعلها تدور في فلك التاريخ “الإسرائيلي” ومعتقداته، و “إسرائيل” بهذه السياسة. تعمل على عزل المقدسيين عن هويتهم الثقافية والوطنية، بانتهاجها العديد من الإجراءات التي تتنافى مع الهوية الفلسطينية، وأحياناً تنكر وجود الهوية الفلسطينية، كمحاولة فرض (وثيقة استقلال دولة إسرائيل) كمساق دراسي في مواد التاريخ والمدنيات.[10]

     وهذا النهج المتعمد يتضمن إعادة طباعة الكتب الدراسية الفلسطينية، وحذف ما له علاقة بالانتماء العربي الفلسطيني، إذ يتم حذف دروس كاملة، وأبيات شعرية وطنية، وفقرات وكلمات، وحتى  الأسئلة والآيات القرآنية والرموز الوطنية، التي تتناول القضية الفلسطينية بصورة عامة، والتي تتناول قضايا أساسية يعيشها الشعب الفلسطيني، مثل حق العودة والمستعمرات “الإسرائيلية” وهجرة اليهود لأرض لفلسطين، والحواجز العسكرية والانتفاضة والقرى المدمرة والمهجرة، وكلمة النضال، وتنمية روح المقاومة والجهاد، وتمجيد الشهداء، وقضية الأسرى، فقد قامت وزارة المعارف الفلسطينية بحذف أية فكرة تتعلق بالتمسك بأرض فلسطين، والحس الوطني والانتماء العربي والتراث الفلسطينية وتاريخه، حتى أنها طالت الأزياء الفلسطينية، وفرضت حذف حادثة إحراق المسجد الأقصى، وعدم الحديث عن القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي ودوره في تحرير بيت المقدس، وغيرها من القضايا الأخرى.[11]

     وقد أمعنت “إسرائيل” بسياسة أسرلة التعليم إلى حد وصل إلى فرض عدم المشاركة في الفعاليات الوطنية الفلسطينية في مدارس مدينة القدس، ومنع الطلبة من إحيائها أو تفعيل نشاطات تتعلق بالمناسبات الوطنية الفلسطينية، وقد كان التركيز في هذه المسألة منصباً على مدارس البلدية والمعارف، حتى أنها تمنع أي نشاط ثقافي ورياضي وفني وفلكلوري أو حتى تطوعي، يدل على الهوية والقضايا الفلسطينية، وهذا بدافع إلغاء كل ما هو وطني من فكر الطلبة المقدسيين، بالمقابل فإن الأعياد الوطنية “الإسرائيلية” ومناسباتهم الدينية هي أمر مشروع ويجب تطبيقه في المدارس العربية.[12]

المشكلات التي يعاني منها الواقع التعليمي في مدينة القدس:

إن الوقاع التعليمي في مدينة القدس أخذ شكلاً معقداً من حيث التبعية وهو ما وضع العملية التعليمية برمتها أمام معضلات شتى وتأتي هذه المعضلات على النحو التالي:[13]

  1. محدودية البرامج اللاصفية:

تعتبر البرامج التربوية والتعليمية اللاصفية جزءاً أصيلاً في العملية التربوية الكلية، إلا أن محدودية الموارد المالية وغياب إستراتيجية تعليمية تكاملية، وتعدد أصحاب الولاية على العملية التعليمية يجعل مدارس القدس تعاني من محدودية الأنشطة اللاصفية ونظم التعليم المساند.

  1. محدودية المساحات التفاعلية بين الطلبة المقدسيين:

في ظل استلاب الحيز العام، وتجاوز التضييق على الفضاءات الخاصة إلى الفضاءات التعليمية، فإن فرص تعرف الطالب المقدسيين على بعضهم البعض، والتفاعل الإيجابي في أطر منظمة تصبح حدودة، حيث أن ضيق المساحات فيزيائيا يؤدي إلى ضيق الأفق. وينطبق ذلك داخل الصفوف المكتظة، وداخل ساحات الملاعب والمرافق، وبدلاً من التفاعل الذي ينعكس إيجاباً على العملية التربوية، فإن الحيز العام الضيق يخلق التدافع والتنافر.

  1. غياب معيار المفاضلة وفقاً للمهارات الفردية:

إن تفاوت القدرات الفردية وانعكاسها على مستقبل الطلبة، وتحديد مستويات دخولهم، وقطاعات انضمامهم، وانخراطهم في المجتمع أمر طبيعي، إلا أنه في الحالة المقدسية ما يحدد مستقبل الطلبة بصفة عامة ليس تلك القدرات والتفاوتات بينها بقدر نوعية المدارس التي يلتحق بها الطلبة والتي تلعب دوراً كبيراً في تحديد مصائرهم، ففي ظل ذلك تصبح نوعية المدارس ومرجعياتها هي المؤثر على فرص تطور الخريجين، ومستوى دخولهم، لا الطاقات والقدرات والمهارات؛ مما يؤدي إلى خلخلة الانسجام الاجتماعي وصولاً إلى تكوين مجتمع طبقي.

  1. ضعف البنى التحتية:

إن لتردي البنى التحتية وعدم ملاءمتها للشروط الصحية داخل مدارس الأوقاف (المدارس الحكومية الفلسطينية)، وعدم توفر الباحات المناسبة، ومحدودية المرافق، كالمختبرات، والمكتبات، إضافة إلى الغرف الصفية المكتظة أثراً نفسياً كبيراً على الطلاب ينعكس بشكل مباشر على قدرتهم على التحصيل، والتفاعل، وبنية المهارات الفردية، وينعكس ذلك على تكريس الطبقية بين المكونات المجتمعية المختلفة، وتعميق للتباين بين الطلاب على أساس القدرات المالية للأسر.

  1. عدم القدرة على رصد ظاهرة التسرب:

تعتبر ظاهرة تسرب الطلبة من المدارس من أكبر المشاكل التي يواجهها القطاع التعليمي، وتزداد قضية التسرب المدرسي وتداعياتها الاجتماعية تعقيداً في القدس؛ فتعدد المرجعيات والسلطات التربوية في المدينة المقدسة (إسرائيلية وحكومية فلسطينية وخاصة ووكالة الغوث إضافة إلى الشركات الخاصة)، والوضع السياسي والأمني في المدينة وسعي بلدية الاحتلال لأسرلة الأجهزة الخدماتية بما فيها المدارس، كلها تشكل عوامل إضافية ضاغطة تؤثر في نسب التسرب من ناحية، وتغيب آفاق علاجها، حيث تنحسر القدرة على التحقق من نسب التسرب والحصول على معلومات دقيقة بهذا الشأن، و تزداد صعوبته تبعاً لتعدد الجهات الاشرافية على النظم التعليمية، كما يصعب بذلك تحديد دوافع تلك الظاهرة وبالتالي استحالة معالجتها.

  1. محدودية فرص التعليم المهني وخاصة للفتيات

كان لاختلاف النظم التعليمية في القدس أثر كبير على ندرة التخصصات المهنية وانحسارها لفئة محددة، حيث تتوافر للطلبة “الإسرائيليين” فرص التعليم المهني وكل ما يلزم من مدارس وتجهيزات فنية، بينما يعاني الطلبة الفلسطينيون في القدس من عدم توافر ذلك، إذ عملت سلطات الاحتلال على تجميد أي تطوير على المدارس وإدخال التعليم المهني لها، وبالتالي يتحول الطلبة الفلسطينيون المهنيون إلى عمال غير مهرة مصيرهم سوق العمل “الإسرائيلي”، كما تجدر الإشارة إلى عدم توفر جو آمن للتعليم المهني أدى إلى عدم اتجاه الفتيات بشكل خاص إلى هذه القطاع، علماً بأن مصلحة المجتمع تكمن بالتوجه إلى التعليم المهني لضروريات التنمية المجتمعية الشاملة.

  1. اختلاف التعليمات والعطل المدرسية

يؤدي اختلاف التعليمات في أيام العطل وأيام الدراسة وساعتها حيث يتم تعطيل مدارس البلدية والمعارف “الإسرائيلية” في الأعياد اليهودية، مما يربك الأهالي خاصة الأسر التي يدرس أبناؤها في مدارس تتبع لجهات إشرافية مختلفة. عدا عن اختلاف سن القبول خاصة بين مدارس البلدية، ومدارس الأوقاف، والمدارس الخاصة حيث أن سن القبول في الصف الأول مختلف من مدرسة إلى أخرى.

مخطط الاحتلال لأسرلة التعليم في القدس

في 13 مايو/ أيار 2018، أُعلِن عن القرار الحكوميّ “الإسرائيليّ” رقم 3790. يصادق القرار على خطّة بعنوان: “الخطّة الخمسية: تقليص الفجوات الاجتماعيّة والاقتصاديّة والتطوير الاقتصاديّ لشرقيّ القدس، 2018-2023”. وقد حددّت الخطّةُ ستّة قطاعات ستعمل فيها: التعليم والتعليم العالي، الاقتصاد والتجارة، التشغيل والرفاه، المواصلات، تحسين جودة الحياة والخدمات المُقدّمة للسكان، وتخطيط وتسجيل الأراضي.[14]

 يوصي المخطط بتعزيز التعليم بين سكان القدس الشرقية من خلال تحسين نظام التعليم والذي يعتبره المخطط قلب البرنامج، هذه هي القفزة الرئيسة التي من المفترض أن تعزز تحقيق الهدف على المدى الطويل – دمج السكان في دائرة العمل المنظمة. ويوصي المخطط بإنشاء 660 فصلاً دراسياً على مدى خمس سنوات. كما يعترف التقرير أن نظام التعليم في القدس الشرقية كان مهملاً، ولم تكن وزارة التربية والتعليم “الإسرائيلية” مشاركة فيما يجري هناك. كما يهدف المخطط إلى إدخال المنهاج “الإسرائيلي” في مدارس القدس بدلاً من المنهاج الفلسطيني، ويقدم المخطط تسهيلات لوصول الخريجين الفلسطينيين في القدس والذي سيقبلون بمنهاج الاحتلال إلى سوق العمل “الإسرائيلي”. وقد رصدت الحكومة “الإسرائيلية” ميزانية بمقدار ملياري شيكل لتنفيذ هذا المخطط.[15]

 

وقد أعلن وزير شؤون القدس في حكومة الاحتلال زئيف أليكن أنه كلما أصبحت الفجوات بين شرق وغرب القدس أقلّ، كلما أصبح ثمن الخسارة الذي سيدفعه سكان شرقيّ القدس نتيجة أي احتكاك أمنيّ أعلى بكثير، وبالتالي تنخفض إمكانيات تشكيل الخطر الأمنيّ من قبلهم.[16]

سبل المواجهة

في ضوء الخطة الخمسية التي أعلنها الاحتلال “الإسرائيلي” لأسرلة التعليم الفلسطيني في البلدة القديمة للقدس المحتلة، أعلنت السلطة الفلسطينية عن خطتها الإستراتيجية للتنمية القطاعية بالقدس الشرقية للأعوام 2018-2022، والتي قالت إنها بدأت تطبيقها فعلاً لمواجهة “أسرلة التعليم” وتحويل آلاف الطلبة المقدسيين للمنهاج “الإسرائيلي” حتى عام 2022.

يكمن الرد على المخطط “الإسرائيلي” لأسرلة العملية التعليمية في القدس المحتلة بتسريع العمل بالخطة الإستراتيجية للتنمية القطاعية بالقدس الشرقية للأعوام 2018-2022، من خلال حشد الموارد والطاقات لتعزيز منظومة التعليم الوطني بالقدس، واختراق مخططات أسرلته. وينطلق ذلك من قناعة مفادها ضرورة تسريع العمل وطنيًا بالخطة الإستراتيجية للتنمية التي أعدها فريق يضم ممثلين عن جامعة القدس، ووحدة القدس في ديوان الرئاسة، بالتعاون مع العديد من الأطراف ذات العلاقة، والشركاء الاستراتيجيين في القدس. وقد أقرت الحكومة الفلسطينية في نيسان 2018 هذه الخطة، كما اعتمدها الرئيس محمود عباس، “الذي أشاد بجهود القائمين على إعدادها، داعيًا الدول العربية إلى تبنيها ودعمها حفاظًا على المدينة ومقدساتها وتراثها وتاريخها المجيد لتبقى العاصمة الأبدية لدولة فلسطين”.[17]

 

تسعى السلطة الفلسطينية إلى تطوير جودة التعليم التنافسي في المدينة، بالشكل الذي يعزز هويتها الفلسطينية، وتعميق وعي المقدسيين بأهمية التعليم الوطني، ومخاطر مخططات الاحتلال وسبل مواجهتها. كما ستعمل السلطة على دعم مؤسسات التعليم، بما فيها المدارس الخاصة، لتشجيعها عن الاستغناء عن الدعم والإغراءات “الإسرائيلية”، إضافة إلى اعتماد خطط عملية لمواجهة التحديات الخاصة بقطاع التعليم في القدس، تأخذ بالاعتبار توفير منح دراسية للطلبة بما يفوت فرص التوجه الاضطراري المبكر لسوق العمل “الإسرائيلية”، إلى جانب تأهيل الكوادر التعليمية العاملة في المدارس الفلسطينية، وتحسين رواتبهم وامتيازاتهم قياسًا بالعاملين في المدراس “الإسرائيلية”، ومعالجة واقع المدارس واكتظاظها. بالإضافة إلى تفعيل قنوات التواصل والضغط على الدول العربية لجهة إلزامها بتنفيذ ما قطعته على نفسها في دعم مدينة القدس والتعليم فيها، خلال اجتماعات الجامعة العربية المختلفة، لا سيما “تلك التي أقرت إنشاء صندوق باسم دعم القدس بموارد مالية قدرها مليار دولار أميركي، لتمويل مشاريع وبرامج تحافظ على الهوية العربية والإسلامية للقدس.[18]

     وفي ذات المسار ينبغي على السلطة الفلسطينية استنفار الديبلوماسية الفلسطينية، وتفعيل أدوات الملاحقة القانونية الدولية للاحتلال “الإسرائيلي”، لرفع تكلفة الاحتلال خارجياً جراء خرقها للقوانين الدولية والاتفاقيات الثنائية فيما يتعلق بمكانة وهوية القدس الشرقية كمدينة تحت الاحتلال. بالإضافة إلى ذلك ينبغي على السلطة الفلسطينية تعليق التزامات منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية مع الاحتلال، ودعم حركة المقاطعة (BDS).[19]

 

 قائمة المراجع والمصادر:

[1] رهام هاشم عبد اللطيف زهد، تأثير السياسات التعليمية الإسرائيلية على الوعي العام للشباب الفلسطيني في مدارس شرق القدس. (نابلس: جامعة النجاح الوطنية، 2016)، ص2.

[2] حنا ناصر، القدس تعليم بلا مرجعية موحدة واسكان يواجه قوانين تهويدية، دنيا الوطن، 2015.

[3] المرجع السابق.

[4]  المرجع السابق.

[5] جامعة القدس، تحريف المناهج في القدس.. تهويد للعلم والفكر الفلسطيني.

https://cutt.us/yEeWe

[6] المرجع السابق.

[7] تحسين يقين، عدي أبو كرش، روان شرقاوي، التعليم في القدس وأثره على الهوية الفلسطينية: نحو سياسات تربوية وطنية مستدامة، (القدس: المؤسسة الفلسطينية للتمكين والتنمية المحلية، 2015)، ص3.

[8] زهد، تأثير السياسات التعليمية الإسرائيلية على الوعي..، ص 16

[9] المرجع السابق.

[10] روان الغول، أسرلة المناهج وتأثيرها على هوية الطالب الفلسطيني في قرية بيت صفافا /القدس، (رام الله: جامعة بيرزيت، 2018)، ص14.

[11] المرجع السابق، 15.

[12] المرجع السابق.

[13] تحسين يقين وآخرون، التعليم في القدس وأثره على الهوية الفلسطينية، ص 3-5.

[14] משרד ראש הממשלה، צמצום פערים חברתיים כלכליים ופיתוח כלכלי במזרח ירושלים، מספר החלטה  3790، 13/05/2018.

https://www.gov.il/he/departments/policies/dec3790_2018

[15] אפרים לביא, ששון חדד, מאיר אלרן، התוכנית הישראלית לצמצום פערים חברתיים וכלכליים במזרח ירושלים: משמעויות והמלצות، עדכן אסטרטגי | כרך 21 | גיליון 3 | אוקטובר 2018، 8-9.

[16] المرجع السابق، 6.

[17] رامي معين محسن، نحو مواجهة “أسرلة التعليم” بمدينة القدس المحتلة، (رام الله: المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية -مسارات، 2019)، 15.

[18] المرجع السابق، 17.

[19] المرجع السابق، 17-19.

 

زر الذهاب إلى الأعلى