أقلام القدس

اقتصاد القدس بين توزيع الأسواق وتمزيق الحيز الديمغرافي للفلسطينيين

القدس المحتلة – القسطل: القدس مدينة منكوبة، لم تحظَ أبداً بفرصة تطورها الطبيعي، حيث اختلطت فيها الأطماع والنزاعات، وتعرض حيزها وسكانها للمصادرة والتشريد والتهجير القسري والناعم على حد سواء، وتعرضت للتمزيق والتشكيل منذُ الاحتلال البريطاني مرورا بالحكم الأردني وصولا إلى الاحتلال “الإسرائيلي”، ولم تحظَ المدينة بفرصة للتطور الطبيعي من خلال التحكم بمصادرها  سواء لخدمة أرضها أو سكانها لتطوير قطاعاتها الاقتصادية بعيداً عن استملاك المدينة من قبل مختلف جيوش الغزاة.

أولا: الصراع على الجغرافيا والديمغرافيا

إن القدس تمثل قلب الصراع الفلسطيني – “الإسرائيلي” والمتمثل بالسيطرة على الجغرافيا والديمغرافيا، حيث إن الاستعمار الصهيوني استخدم وما زال يستخدم؛ الأدوات المختلفة لإحداث تغييرات جيوسياسية وجيوديمغرافية من خلال تجنيد كل طاقاته وإمكانياته للسيطرة على الجغرافيا وتشكيل الديمغرافيا وفقا لسياساته الكولونيالية.

لقد  كان احتلال الجزء الغربي من القدس عام 1948، وتدمير 39 قرية بلغ عدد سكانها حوالي 97,950  نسمة، والاستيلاء على 38 كم² ليس فقط بسبب الصراع المباشر،  بل كانت أيضا  بسبب السياسات  الكولونيالية  الإثنية العرقية والعنصرية التي اتبعتها الحركة الصهيونية، حيث تم تجنيد هذه السياسات لإحداث تغيير في الأرض وفي الموارد البشرية،  لأجل الوصول إلى أهداف جيوسياسية  تتحكم بالحيز وتسيطر على الأرض والسكان، وبالتالي على الاقتصاد الذي لا يمكن فصل جوانبه وأطرافه عن التحولات الاجتماعية والسياسية في ذات السياق والزمان، باعتباره متفاعلا وعاكسا للمتغيرات المختلفة في بقعة جغرافية وامتداد زمني حضاري بكل خصائصه وأشكاله.

   وفق هذه السياسات ما زالت “إسرائيل” تخطط ليس فقط  للوصول الى أقلية عرقية “عربية”، في مدينة القدس بحد أقصى يصل إلى (30%) من سكان المدينة، بل هي تسعى إلى تشتيت هذه النسبة في خواصر فقر اجتماعية- اقتصادية مهمشة في الحيز الجغرافي، وإلى تفكيك اقتصاد هذه المجموعة، بحيث لا تشكل منافسا أو قائما بحد ذاته ولا تكون مهددة لسياسة السيطرة عندهم، وتبقى بالتالي معتمدة كليا على المعونة والدخل والعمل والإنتاج المرتبط بعجلة الاقتصاد “الإسرائيلي” وذلك من خلال الانصياع والقبول بدولاب الاقتصاد “الإسرائيلي” والاستفادة من العمل والمساعدات الاجتماعية وفتات ما يقدم ليكون المصدر الأول والأخير لهذه المجموعات التي تعاني من نسبة فقر عالية بحيث أصبح ( 59% من الفلسطينيين في القدس تحت خط الفقر، 2018) .

ثانيا: طرد قسري وناعم للفلسطينيين وإعادة تشكيل الأسواق

تسعى “إسرائيل” بكل  الوسائل وفي  مقدمتها  الهجرة اليهودية والزيادة  الطبيعية والانتشار السكاني والاستيطان للوصول إلى معادلة الأغلبية اليهودية لبسط سيطرتها وسيادتها على الحيز الجغرافي، ولعل الاستيطان هو الأهم من  حيث أنه يعكس حيوية مسيرتها، وربما  تكون “إسرائيل” قد نجحت في ذلك إلى  حد  كبير، حيث  أشارت  آخر  الإحصاءات إلى  أن (عدد السكان اليهود في القدس بلغ 569,900 أي ما نسبته 62%، بينما بلغ عدد العرب 349,500 نسمة  يشكلون ما  نسبته 38% من سكان القدس، وفق إحصاءات عام  2018)، وأقامت “إسرائيل” في (القدس الشرقية) 12 مستوطنة يسكنها حوالي 220.200  مستوطن.

  في القدس الغربية المحتلة منذ عام 1948، عملت “إسرائيل” على تطهير عرقي للوجود العربي؛ مادي وديمغرافي بحيث بسطت سيطرتها الكولونيالية الكاملة على الحيز، بينما عملت في (القدس الشرقية) للوصول إلى أغلبية يهودية من خلال الاستيطان والهجرة وفرض سياسات وقوانين وإجراءات متعددة على الفلسطينيين، من أجل دفعهم إلى الانتقال الذاتي والطوعي خارج مركز المدينة.

ومن أجل تسهيل الانتقال الخشن والناعم حافظت “السلطات الإسرائيلية” على حدود بلديتها خارج الجدار لينتقل إليها الفلسطينيون دون خسارة إقامتهم فأوجدت بؤرا سكانية عشوائية غير منظمة وغير منضبطة كما في رأس خميس وكفر عقب  وغيرها حيث يعيش حاليا أكثر من 50% من حملة هوية القدس الزرقاء في ممرات جغرافية خارج الجدار العنصري ولكن داخل حزام الأمان البلدي “الإسرائيلي”، فمن جهة تخلصت “إسرائيل” من جزء كبير من السكان ومن جهة أخرى عملت على تشكيل الجغرافيا لتخدم أهدافها الديمغرافية في مدينة القدس.

  لقد  أرادت “إسرائيل” من خلال هذه التشكيلات والتغييرات تشتيت وإعادة تنظيم المركز “خاصة البلدة القديمة في القدس” ليكون عامل طرد خارج الحيز المركزي، من جهة بسبب الأزمة السكانية وبسبب ضغوط الوضع الأمني “هبة السكاكين وأحداث البوابات الإلكترونية 2017 ومسجد بيت الرحمة 2019 ” وصولا إلى جائحة كورونا التي أعطت الاحتلال الفرصة الذهبية لإعادة تشكيل الأسواق وتقييد الحركة داخل البلدة القديمة وإغلاق أكثر من 400 محل تجاري في البلدة القديمة منذ  عام  2019.

ثالثا: جائحة كورونا تعمق الفقر والبطالة

كان أثر كورونا كبير على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في القدس، والتي كانت أصلاً تعاني من عوز اجتماعي واقتصادي بسبب الاحتلال ونظام التمييز العنصري.

  سوف نلاحظ أنه خلال عام 2020  فقد ⅓ العاملين في القدس الشرقية وظائفهم، أي أن حوالي 32,000 عامل (50% منهم أعمارهم تتراوح بين 18-25 عاماً) وتم تسجيلهم على البطالة ويتلقون إعانات بطالة (مؤسسة التأمين الوطني الإسرائيلية)، ويتوقع أن تزداد نسبة البطالة خلال هذا العام بسبب استمرار الإغلاق العام للمرافق التجارية خاصة خلال الربع الأول من عام 2021،  ومن المتوقع أن يفقد عدد كبير من العاملين وظائفهم بشكل دائم بسبب الركود الاقتصادي، علما أن 50% من القوى العاملة الفلسطينية في القدس (91,000 فلسطيني داخل القوى العاملة، 2018) تعمل داخل الأسواق “الإسرائيلية”، وبالتالي فإن عددا كبيرا منهم سوف يدخل دائرة الفقر والانكشاف الاقتصادي بسبب جائحة كورونا.

 يوجد داخل البلدة القديمة في القدس (950 دونما) حوالي 2400 مؤسسة منها 2000 مبنى تجاري وحوالي 200 ورشة صناعة تحويلية، ويقطن في البلدة القديمة 6000 عائلة فلسطينية (حجم الأسرة 5.3، 2018)، وأغلب المؤسسات التجارية تبيع المنتجات السياحية، الملابس، والتحف وعدد أقل مخابز وحدادين ونجارين.

  لقد  تغيرت تركيبة أسواق البلدة القديمة التي كانت ذات طابع قديم قبل عام 1967 (سوق اللحامين، العطارين، باب خان الزيت والباشورة… الخ) وأصبحت تعتمد أكثر على الزوار الأجانب واليهود، وبالتالي تعرضت تركيبتها للتغيير بسبب السياحة وبعد عام 2015 وعلى إثر الهبات الجماهيرية المتتالية في القدس وأحداث المسجد الأقصى والتي أدت إلى فرض الإغلاق وتقييد حركة الدخول إلى داخلها وتحويلها إلى ثكنة عسكرية معززة بالجنود والكاميرات، وجرى ملاحقة التجار بسبب تراكم الديون الضرائبية مما أدى إلى توقف أصحاب المحلات عن فتح محلاتهم وخاصة بسبب توقف السياحة وتوجه المستهلكين إلى أسواق بديلة خارج البلدة القديمة.

وأشارت الغرفة التجارية في القدس ولجنة التجار أنه خلال عام 2015، جرى إغلاق 250 محلا تجاريا، وخلال عام 2020 وبسبب جائحة كورونا وتقييد الحركة إلى داخل البلدة القديمة أغلق 400 محل تجاري، ولكن باعتقادي ومن خلال المشاهدة منذ شهر آذار 2020 وحتى الآن فإن أكثر من 80% من المحلات داخل البلدة القديمة مغلقة.

رابعا: العمود الفقري للاقتصاد الفلسطيني في القدس ينهار

تعتبر السياحة المقوم الرئيسي للاقتصاد الفلسطيني في القدس، وبسبب جائحة كورونا توقفت السياحة بشكل كامل حيث تم إلغاء كامل الحجوزات في الفنادق خاصة بعد إغلاق كامل الأماكن السياحية والدينية بالإضافة إلى إغلاق المطاعم ومكاتب الحجوزات وتوقفت وسائل النقل السياحي عن العمل. ومن المعلوم أن أكثر من نصف سكان الأرض من الديانات الثلاث  تعتبر القدس بالنسبة  لهم هدفا سياحيا ودينيا، حيث إن 75% من السياح القادمين إلى فلسطين يزورون القدس (3 مليون سائح زاروا مدينة القدس عام 2019 إلى صفر سائح في عام 2020)، وهذا مؤشر على الهزة الاقتصادية التي أصابت  السياحة وبالتالي أصابت الاقتصاد الفلسطيني خلال العام الماضي والتي ما زالت مستمرة خلال العام الحالي 2021.

يعتمد هيكل الاقتصاد الفلسطيني في القدس على قطاع الخدمات والسياحة حيث يشكل أكثر من 40% من الناتج المحلي الإجمالي ويوظف قطاع الخدمات 41% من العاملين، والقطاع السياحي تطور ونما بعد عام 1967 في القدس حتى عام 2000، كان في القدس 43 فندقا ولكن مع بداية الانتفاضة الثانية أغلقت العديد من الفنادق لينخفض العدد إلى 29 فندقا في عام 2001، وبعد تحسن الوضع فتحت العديد من الفنادق ليرتفع العدد إلى 31 فندقا (2052 غرفة).

وفقا لكتاب القدس الإحصائي 2020، كان الدخل من القطاع السياحي في (القدس الشرقية) عام 2000 حوالي 8,951,308 مليار شاقل مقارنة بعام 2017 كان 227,712  مليون شاقل، وإذا ما طبقناه على عام 2020 سوف تكون النتيجة كارثية بسبب توقف هذا الدخل بشكل كامل، وهذا يشير إلى الهزة الاقتصادية التي أصابت قطاع السياحة في مدينة القدس.

خامسا: إعادة توزيع الأسواق لخدمة الحيز الإثني والقومي

 تمارس “إسرائيل” كدولة كولونيالية سياسات ديمغرافية وحيزية لأجل تنفيذ سياسات إثنية عنصرية قائمة على زيادة المستعمرين والسيطرة على الحيز الجغرافي أي الأرض، بمعنى أن هذه السياسات المزدوجة ضرورية وهامة بالنسبة إليها لضمان استمرار هيمنتها على عوامل النزاع، وبالتالي فإنها تستخدم كل أدوات السيطرة وخاصة التخطيط لتحقيق هذا الهدف وخاصة في القدس.

 وتعتبر  السيطرة على الموارد جزءاً من هذه السياسة فهي تعمل على اقتصاد يخدم مصالحها لذلك فإن وجود أي اقتصاد فلسطيني مستقل هو تهديد للمصلحة الاستراتيجية للمستعمر، وهي تعمل بشتى  الطرق  والوسائل على تبعية هذا الاقتصاد لعجلة الاقتصاد الكولونيالي أو تدميره بحيث لا يكون قادراً على منافستها.

إن  ما  يجري في القدس لتثبيت أمر واقع  وخاصة في مجال تغيير الأسواق يخدم السياسة الديمغرافية والاقتصادية معا لذلك فإن “إسرائيل” تعمل على توزيع الأسواق على الأطراف مستهدفة بشكل رئيسي البلدة القديمة في القدس ومركزها المسجد الأقصى، لذلك نلاحظ وجود نوعين من الإجراءات:

أولا: إنشاء مراكز تسوق في الأحياء مثل بيت حنينا وشمال البلدة القديمة وكذلك الأسواق الممتدة من منطقة المصرارة حتى منطقة واد الجوز.

ثانيا: جذب الناس إلى الأسواق ومراكز التسوق الإسرائيلية لتغيير النمط الاستهلاكي عند الفلسطينيين سواء الموجودة في القدس الغربية أو إيجاد مراكز ومحلات تجارية في (القدس الشرقية) مثل سوق رامي ليفي شمال بيت حنينا  وسوق بيسجات زئيف شرق  القدس وعدد من الوكالات “الإسرائيلية” المنتشرة في شارع صلاح الدين وشارع الزهراء.

    ولعل مُخطط بلدية الاحتلال الذي نشرته للجمهور في شهر نوفمبر الماضي تحت اسم مخطط (مَعَر مزراح) أي اختصارا للمركز التجاري الرئيسي (للقدس الشرقية) يشير بكل وضوح إلى الأخطار القادمة فهو يستهدف تحويل منطقة شمال سور البلدة القديمة حتى منطقة واد الجوز شمالا إلى منطقة تجارية سوف يتم ربطها لأول مرة منذ عام 1967 مع سوق شارع يافا شرق القدس الغربية على طول الشارع الممتد خارج الجزء الشمالي من سور البلدة القديمة: من شارع يافا، المصرارة، شارع السلطان سليمان، صلاح الدين، الرشيد، الزهراء، ابن سينا، الأصفهاني وشارع المسعودي، مما يؤدي كما أسلفنا إلى تغيير أسواق (القدس الشرقية) وتغيير سوق البلدة القديمة وتحويل الأسواق الاستهلاكية إلى خارج البلدة القديمة ليس هذا فحسب بل  ربطها أيضا مع  أسواق القدس الغربية لتوحيد القدس وإزالة الخط الأخضر بشكل دائم.

الخلاصة:

إن تتبع اقتصاد (القدس الشرقية) وخاصة قطاعاته الرئيسة يشير بما لا يدع مجالا للشك إلى أنه متوجه نحو الاندماج الكامل مع الاقتصاد الإسرائيلي القوي، وفي نفس الوقت قطع الاتصال مع باقي الأراضي المحتلة وفقا للسياسة الإسرائيلية الكولونيالية الساعية إلى فرض السيطرة الكاملة على القدس وخاصة السيطرة على الموارد الرئيسية أي الحيز والسكان، لذلك هذا السيناريو الأكثر واقعية وفقا للمؤشرات الاقتصادية المختلفة ومدى اعتمادها على عجلة الهيمنة الإسرائيلية.

هل معنى ذلك أننا فقدنا كل شيئ في القدس؟

يمكن القول إنه إذا استطاع الفلسطينيون تغيير مواقفهم السياسية والعملية إزاء الوضع في القدس وإمكانية الحفاظ على بعض المكاسب الاقتصادية السياسية فإنه من الممكن تحقيق بعض النجاح، ويكون ذلك من  خلال  التركيز على أكثر القطاعات التي تخدم أهدافهم السياسية الحيوية في المرحلة الحالية في قطاعي السياحة والتجارة الداخلية، والتي من الممكن أن تحتوي على أفضلية اقتصادية وسياسية مقارنة مع القطاعات الأخرى التي لا نملك فيها هذه الميزة الاقتصادية، وهذا بحاجة إلى تنظيم مهني ودعم مالي مستدام للحفاظ على المحلات التجارية في البلدة القديمة التي تواجه خطر الإغلاق الدائم والأسوأ التسريب لجهات استيطانية، إذا لم ندرك أن الصراع في البلدة القديمة يهدف إلى تغيير هويتها السياسية والدينية والقومية فسيكون من الصعب مواجهة ذلك فقط بالشعارات وبيع الوهم للناس لخدمة أهداف حزبية وشخصية.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى