أقلام القدس

المقايضة الرخيصة: الإعمار أو باب الرحمة

يقايض الاحتلال في الأقصى اليوم التوقف عن عرقلته للإعمار والصيانة في الأقصى بموافقة دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس على إغلاق مصلى باب الرحمة، أو تغيير وجهة استخدامه بما لا يجعله مصلى مفتوحاً للمصلين بشكلٍ متواصل. يقايض المحتل إذن جزءاً من الأقصى بجزءٍ آخر منه، ومنطقه إن كنتم تريدون أن لا يترك الأقصى للإهمال والزمن وعوامل الطبيعة، فعليكم أن تسلموا بأيديكم جزءاً استعدتموه حديثاً منه. هذه المقايضة الدنيئة بين الإعمار وإغلاق مصلى باب الرحمة  هي نتيجة لخطين متوازيين متلازمين  منذ 20 عاماً:

الخط الأول: خط اغتصاب صلاحيات الإعمار من الأوقاف الإسلامية في القدس التابعة للأردن، وهو سياق قديم بدأ من حيث الفكرة مع حكومة نتنياهو الأولى عام 1996، وكانت أولى تطبيقاته في نهاية عام 2000 بعد اندلاع انتفاضة الأقصى حين منعت قوات الاحتلال إخراج آخر أجزاء الردم الناتج عن فتح البوابات العملاقة للمصلى المرواني، وهو ما وضع الأوقاف الإسلامية في القدس أمام خياراتٍ صعبة، فكوّمت الردم في المساحات المزروعة بالزيتون شرقي المسجد الأقصى المبارك باعتبارها أخف الأضرار لحين إيجاد طريقة لإخراجه، وقد ظل هذا الردم مكوماً حتى اليوم، وشكل على مدى السنوات الماضية سبباً لعزل هذه المنطقة عن المسجد ولمحدودية الصلاة فيها، فكان بذلك أبرز مدخل للمستوطنين والاحتلال لاستهداف الساحة الشرقية للأقصى، وكان بالمقابل عنواناً أساسياً لمبادرات الرباط لحصره في مساحة محدودة، وتأهيل بقية المساحة للصلاة، حتى لا يستفرد الاحتلال بها.

المحطة الثانية كانت بمنع ترميم سور المدرسة الخثنية من الجهة الجنوبية، والسور الخارجي من الجهة الجنوبية الشرقية للأقصى عام 2003، رغم التشققات الكبيرة التي كانت ظاهرة فيهما، وقد تم هذا الترميم بعد ضغوط سياسية ودبلوماسية وفي ظل انتفاضة الأقصى، واستمر تنفيذ هذه الترميمات 4 سنوات، وكان عرضةً لعرقلة مستمرة.

المحطة الثالثة كانت في عام 2011 حين قدم مراقب عام الدولة في الكيان الصهيوني تقريراً تبنى فيه ادعاءات جماعات الهيكل تجاه ترميمات الأوقاف، باعتبارها تدمرالإرث اليهودي في جبل المعبد، وقدم توصيةً بإخضاع كل ترميمات الأوقاف إلى موافقة بلدية الاحتلال في القدس، من ناحية المخططات والتنفيذ، وهو ما بدأ فرضه بالفعل في السنوات اللاحقة، وجرت خلاله عرقلة أعمال الترميم الداخلية في قبة الصخرة والمسجد القبلي وفي قبة السلسلة، واعتقل خلالها مهندسو الإعمار وفنيوه مراتٍ ومرات، ومجريات الأمور تشي بأن طلب الإقرار والموافقة من بلدية الاحتلال قد فُرض وتم بالفعل بعيداً عن الأضواء.

المحطة الرابعة والأخطر كانت في شهر 1-2019 باغتصاب صلاحية ترميم السور الجنوب الغربي للأقصى، وشروع بلدية الاحتلال في ترميم سوره الخارجي لأول مرة منذ احتلاله، وهي ترميمات مستمرة بيد البلدية ودون اطلاع الأوقاف على شيء منها حتى اليوم، تلاها اغتصاب الشرطة لصلاحية ترميم الخلوة الجنبلاطية التي تحتلها في صحن الصخرة في 19-5-2019.

خلال تلك المحطات تطور مستوى العرقلة والتضييق، حتى وصل اليوم إلى منع عمليات الصيانة الصغرى، كتبديل الإضاءة المعطلة أو معالجة أو إصلاح أنابيب المياه أو الزجاج المكسور والحجارة التالفة والمناطق التي تحتاج لترويب أو عزل لحمايتها من تسرب الماء، وهو ما يعني وضع المسجد الأقصى بمبانيه التاريخية تحت سيف الزمن والإهمال وتفريغ الدور الأردني من محتواه عملياً، فالإعمار شكل تاريخياً المحتوى الأساس والإنجاز الأهم لهذا الدور عبر عقودٍ من الزمن

الخط الثاني الموازي هو محاولة التقسيم المكاني انطلاقاً من مصلى باب الرحمة، بعد إغلاقه بقرار قضائي في 2003 وعزل المصلين عن محيطه بسبب الردم المتراكم، وهو خط تنبهت له الإرادة الشعبية المقدسية والفلسطينية، فعملت على ترميم المنطقة وتأهيلها على مراحل في سنوات 2013 و2018 و2019، وهو ما انتهى إلى استعجال الاحتلال بوضع اليد على مصلى باب الرحمة في 17-2-2019 فكان الرد بإعادة فتحه والصلاة فيه بقوة الجماهير بعد خمسة أيام.

لقد فرضت الجماهير على المحتل إذلالاً غير مسبوق حين تركها تفتح المصلى ليتجنب المواجهة وثمنها، وما زال حتى اليوم غير قادرٍ على ابتلاع هذه المرارة، ويخشى من تنبه الناس إلى قوة الإرادة الشعبية وجدواها، فحاول إعادة إغلاق المصلى بأدوات التنكيل والإبعاد والاعتقال لكنه فشل، وهو اليوم يعول على وضع الأوقاف الإسلامية في وضع محرج لعله يستخدمها لضرب عصفورين بحجرٍ واحد: أن تغلق المصلى هي بيدها، وأن يحبط إرادة الجماهير بيد نخبتها الدينية.

الاحتلال ماضٍ في سياسة تفريغ الدور الأردني في الأقصى من مضمونه، وفي اغتصاب صلاحيات الترميم، لكنه يحاول اليوم إيهام الأوقاف والحكومة الأردنية بأن العقدة الوحيدة هي مصلى باب الرحمة، ليدفعها إلى إغلاقه أو تغيير وجهة استخدامه، ويحاول توظيفها في ضرب إرادة جماهير المرابطين، لكنه في الحقيقة ماضٍ في ضربها هي أيضاً دونما اعتبار للقانون الدولي ودورها الثابت من خلاله، أو لاتفاقية وادي عربة أو للمطالبات الأردنية، ولذلك تحديداً يجب إفشال مناورة الاحتلال هذه، فإن كان من قوة في الميدان تحمي دور الأوقاف الإسلامية في القدس فهي إرادة المقدسيين والمرابطين التي يريد الاحتلال ضربها ووضع الأوقاف في مواجهتها.

ولعل عودة الاحتلال عن عدوانه في اليوم التالي لتسرب الأخبار عن هذه المقايضة، واستئناف طواقم الأوقاف لحقها الطبيعي في الترميم يوم الأربعاء 27-1 ثم ما نشر من صور لذلك صباح الخميس 28-1-2021 يوضح مقدار خشية الاحتلال من الجماهير وإرادتها، وتراجعه أمام كل ما يمكن أن يستنهض صحوتها، وينهي استفراده السعيد بالأقصى تحت اسم مكافحة وباء كورونا، ويوضح مدى حاجتنا لعودة هذه الإرادة إلى الفعل في أقرب وقت.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى