أهم أكلات وحلويات المطبخ المقدسي في الشتاء

القدس المحتلة – القسطل: لكلٍ منا عند الشتاء طقوسٌ تعلق في ذاكرته، وترتبط في ثقافته، وتنزرع في عاطفته، وترتبط بجزءٍ من هويته، وفي القدس حكاياتٌ للشتاء، وللقدس قصصٌ معه، ترتبط بتلك الأجواء التي يزين فيها المطر قباب الأقصى، وتغني أزقة البلدة القديمة أنشودة المطر، وفي تلك الأيّام تبدع أمهات القدس في إعداد ما يقوي أبدان أبنائهنّ، وما يعينهم على الرباط، وما يقي أبدانهم برد الشتاء وتبعاته.

 

المطبخ المقدسي

من المهم قبل الحديث عن المطبخ المقدسي، إدراكُ مدى التنوع الذي يمتلكه هذا المجتمع، فعند الحديث عن المقدسيين، فنحن لا نتحدث عن أهل مدينة القدس، الذين سكنوا بها منذ مئات السنين، بل يتعدى هذا المفهوم ليصل إلى قضاء القدس، الذي يمتد من جنوب رام الله، إلى شمال بيت لحم، ومن شرق يافا، إلى برية القدس، وتلك البرية الممتدة من سفوح جبال القدس الشرقية، وإلى الهضاب المطلة البحر الميّت، تجعل من القدس، جغرافية متنوعة بأهل المدينة والفلاحين والبدو. ومع نكبة فلسطين في العام 1948، قدم إلى القدس الآلاف من اللاجئين من قرى اللد والرملة والخليل، كما هاجر إلى القدس المئات من العائلات الخليلية لأسبابٍ اقتصادية واجتماعية، مما شكل هذا التنوع في المجتمع المقدسي، والذي انعكس على طبيعة المطبخ المقدسي، الذي تجد فيه معظم الأكلات الفلسطينية، ولكن هذا لا يمنع من وجود سمات عامة للمطبخ المقدسي، منها مثلاً استخدام زيت الزيتون في معظم الطبخات المقدسية، والاعتماد عليه أكثر من السمن البلدي، كما هو الحال مع مطبخي الخليل، وبيت لحم، كما يعتمد المطبخ المقدسي في الشتاء تحديداً على عددٍ من النبتات التي تنمو بعد مواسم المطر بشكلٍ بعليٍ، في إعداد الكثير من الأطباق الدافئة.

 

مطبخ الشتاء ومسامير الركب 

الفلسطيني يطبخ ما يدخره من مأونة إما بالتجفيف كالحبوب والخضراوات والفواكه وإما بالتثليج والتخليل كورق العنب والخضراوات ايضا والزيتون وبالطبخ زيت الزيتون الذي تم عصره قبيل فصل الشتاء “، بهذه تحدث سيدة المنزل المقدسية، والباحثة الاجتماعية ماجدة صبحي، واصفةً أسس ومكونات المطبخ الشتوي في القدس.

 

تعتمد الأكلات الشتوية، وما يلحق بها من حلويات في القدس على زيت الزيتون، وكل ما يمد الجسم بالطاقة في الفصل البارد كأكلات القطاني، والقطاني هي تلك البقوليات التي تحتوي على قدرٍ كبير من الطاقة، مثل الحمص والفاصولياء البيضاء، وغيرها.

 

تحدثني السيدة ماجدة صبحي عن طبقٍ مميزٍ في القدس خلال الشتاء، وهو يخنة الفاصوليا البيضاء المجففة الغنية بالبروتين والنشا والكربوهيدرات والتي تطبخ مع البندورة واللحم وبجانبها يقدم طبق الأرز، وتطبخ بلحم الغنم بعظمه أو لحم العجل المشفى، وهي من الأكلات الفلسطينية المميزة، ولكن في القدس فلهذه الأكل رونقٌ خاص فيها.

العدس ولا الفَلَس  

أما أكلات العدس، فللقدس فيها حظوةٌ كبيرة، إذ يدخل العدس في العديد من الأكلات الشتوية، حالها كحال معظم المدن الفلسطينية، في المجدرة وشوربة العدس المجروش، ولكن في ذات الوقت يتميز المطبخ المقدسي بعددٍ من أكلات العدس الممسزة مثل، شوربة العدس البني، ذو الحبة الكاملة، الذي يطبخ مع أوراق السلق، وأكلة (الرشتاية) أو (رشتا وعدس) وهو طبقٌ مكونٌ من العدس مع قطع العجين الصغيرة والبصل ويزين بالبصل المقلي والسماق.

 

الطبخ باللبن والهوية الحضارية

تتميز مناطق القدس وبيت لحم والخليل، وبئر السبع، بتوفر المراعي فيها، بمساحاتٍ واسعة، ما سمح بتكون المجتمعات القروية البدوية، ذات العادات العربية الأصيلة، ومن تلك العادات في جنوب بلاد الشام، الطبخ باللبن المخيض أو الجميد، والتي يذكر بعض المؤرخين أنها عادةٌ عربيةٌ كنعانيةٌ قديمةٌ، وهي من المحرمات في الديانة اليهودية، إذ يحرم على اليهود أكل الشاة المطبوخة بلبنها.

تحدثنا ماجدة صبحي عن أهم أكلات اللبن في القدس، فتخبرنا عن المنسف، الذي يطبخ فيه لحم الخاروف البلدي، تحديداً بلبن الجميد، أو اللبن المخيض، ومما يميز المنسف في القدس (الفت) ففي بعض قرى القدس، تفتت قطع الرقاق، وهو خبزٌ خالٍ من الخمير بشكل تام، يخبز على الصاج، ويختلف عن خبز الشراك بشكلٍ طفيف، ويوضع فوقها البرغل المطبوخ بالسمن البلدي، ومن فوق الأرز، فيخرج لنا طبقٌ مختلفٌ عن المنسف المتعارف عليه، يؤكل في الأعراس، وغيرها، وتتميز به مناطق أبو ديس، وما حولها من تجمعاتٍ بدوية، وبعض قرى شمال القدس.

ومن الأطباق المقدسية المميزة، والتي يدخل اللبن في تكوينها، العكوب بلبن، وهو نباتٌ شوكيٌ يخرج بشكلٍ بعليٍ، في نهايات شهر كانون الثاني، ويطبخ، بعد تنظيفه من الشوك، بطرقٍ عدة، وفي مناطق القدس، يطبخ العكوب على هيئة (لبنية) مع اللحم، واللبنية حساءٌ غليظ القوام يحوي اللبن والبرغل، أو الأرز المدقوق،

جريشة سلوان وبيت صفافا

لكل منطقةٍ من مناطق فلسطين أكلةٌ مميزة، تشتهر بها وتؤكل في مناسباتٍ ومواسم معينة، وفي القدس وإن أردنا أن أن نتحدث عن أكلةٍ تقصد القدس لأكلها، وفي الأعراس الشتوية، في قرى جنوب غربها، فالحديث هنا يدور على الجريشة السلوانية. تطبخ الجرشية في سلوان، الحامية الجنوبية للمسجد الأقصى المبارك، وتطبخ كذلك في بيت صفافا، وقرى جنوب القدس، وبعض قرى شمال بيت لحم، والتي كانت تتبع القدس تاريخياً، مثل: الولجة، وبتير، وتتكون بشكلٍ أساسيٍ منها القمح المجروش، المطبوخ باللبن الجميد، ومرق اللحم، والذي يجب أن يطبخ على الحطب، وفي الأعراس الشتوية تحديداً، ويصاحب طبخ الجريشة، طقوس العونة، والسامر، والأجواء العائلية الدافئة.

الحلويات الشتوية في القدس

للحلويات في القدس رونقها الخاص، ومذاقها المميز، وأنواعها النادرة في القدس، وتعتمد الحلويات في المدينة المقدسة على مكوناتٍ رئيسيةٍ مثل: طحين القمح البلدي، وزيت الزيتون، وأنواع الفواكة، وغيرها، ومن الحلويات المقدسية القديمة، التي حدثتنا عنها السيدة ماجدة صبحي، طبق البسيسة، والتي تتميز به قرى شمال غرب القدس، ويتكون من ما يتم إدخاره من تينٍ، مشربٍ بزيت الزيتون والطحين، وهي أكلةٌ شتويةٌ مقدسيةٌ بامتياز، أما الحلويات الشهيرة في هذه الأيّام خاصة في فترة المنخفضات وليالي نهاية الاسبوع فلا غنى عن حلوى المطبق بزيت الزيتون والمحشو بالجبن، والذي يشتهر به محل زلاطيمو في البلدة القديمة، والذي يصنعه منذ نهايات القرن التاسع عشر.

خاتمة

تؤكد السيدة ماجدة صبحي على أنّ المطبخ المقدسي، جزءٌ أصيلٌ من مطبخ بلاد الشام، وهو معتمدٌ بشكلٍ أساسيٍ على ما تخرجه أرض القدس من البركات، ولا تحلو أطباق القدس إلا مع اللمة، ومع يوميات الصمود والرباط المسجد الأقصى، والبلدة القديمة، وضواحي القدس وقراها ومخيماتها الصامدة.

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى