بجانبي ولم أعرفه.. قصة من المعتقل للشقيقين الأسيرين المقدسيين رائد ونائل الحلبي

 

 كنت أجلس بالخيمة في معتقل عوفر العسكري مع رفاقي نتبادل اطراف الحديث حين وصلني خبر اعتقال اخي نائل، كان هذا في أواخر عام 2004، علمت حينها أيضا أن اعتقاله كان بطريقة همجية من المنزل وتم اقتياده إلى جهة مجهولة، هذه الجهة المجهولة التي ينقل إليها معظم المعتقلين حين يتم اعتقالهم، وأنه ممنوع من زيارة محامي أو أي تواصل مع العالم الخارجي بسبب أنه يقبع في أحد مراكز التحقيق الاحتلالية الموزعة بين أقطاب الوطن، والصفة المشتركة بين هذه المراكز هي أن تعذيب الأسير هي اللغة الوحيدة للتحقيق، حينها يصبح مكان تواجده غير مهم بقدر ما يحتل القلق عليه كافة أجزاء الجسد وثنايا الروح، فنحن نعشق طريق الحرية ذلك لأننا نملك أقصى درجات الإحساس والشعور الإنساني.

 

احتلني القلق عليه، بل والخوف حد عدم النوم، سادني شعور الأخ الأكبر التقليدي الذي يرتبط بإخوته بعمق، ويحاول ممارسة سيطرة معينة عليهم بدافع المسؤولية وكأن درء الخطر عنهم هي مهمته التي وجد من أجلها، تمنيت دائما لو أنني بدلا منه في التحقيق، بدأت أتخيل كافة أشكال التحقيق التي تحدثوا إلينا عنها الرفاق خلال جلسات التثقيف، من شبح متواصل وحرمان من النوم ومنع من الاستحمام، وصراخ وشتائم، وتبادل المحققين عليه، كما عرج خيالي إلى خطر غرف العار المسماة بالعصافير داخل السجون، وبدأت أسأل نفسي هل سيحتمل أخي نائل كل هذه الأساليب وهو في سن السابعة عشرة، ويعيش تجربة التعذيب والتحقيق لأول مرة، أنا أعرفه منذ صغره عنيدا صلبا متحمسا متمسكا بوجهة نظره، مقداما حين يتطلب الأمر عطاء شهما، لكن القلق أنساني كل صفاته البطولية وسيطرت علي فكرة انه أخي الأصغر الذي لا أحب ولا أرغب أن أقلق عليه، حد وصلت إلى عتاب نفسي عتابا عاطفيا أخذ شكل الأنانية حينها، إذ أصبحت ألوم نفسي لأنني لم أمنعه من خوض طريق النضال، لكنه بالأساس لم يكن ينتظر إذنا من أحد.

 

حاولت قدر الإمكان إخفاء مشاعر الخوف والقلق عن من حولي، وكعادتي بدأت أمازح هذا وأضحك مع ذاك، واستمريت بإعطاء دروس محو الأمية لأحد الرفاق العنيدين بالعطاء كعناده وإصراره على عدم التعلم لكنني لم أيأس منه خلال تلك الفترة ربما لأنني حاولت إشغال نفسي عن التفكير بأخي وما يجري معه في زنازين ومكاتب تعذيب مركز التحقيق الذي نجهل مكانه، ربما لو أنني في وضع طبيعي لما واظبت على تعليم الرفيق الذي يرفض التعلم، لم يفارقني شعور القلق والخوف، وعشت أياما وأياما أتخيل ما يحصل مع أخي، وهنا شعرت بمدى صعوبة ان تكون أسير داخل السجون وبنفس الوقت أهلا لأسير آخر، حينها تختلط عليك المشاعر هل انت مشتاق لأمك وأبيك وإخوتك خارج السجن، ام انك غير مكترث بأحد سوى بأخيك الذي يمارس عليه التعذيب الآن، هل أنت أسير أم أهل أسير، وكم من عائلة فلسطينية إتخذت من العطاء صفات عدة بنفس الوقت، كم من ام فلسطينية كانت بنفس اللحظة أما لشهيد وأسير وجريح ومطارد ومبعد، طوبى لقلب هذه الأم التي واظبت على الحياة في ظل حصار الموت لها.

 

مر أكثر من ثلاثة أشهر ونحن لا نعرف أي شيء عن نائل سوى أنه في التحقيق، لم تفيدنا اللجنة الدولية للصليب الأحمر بأي خبر يطمئن القلب سوى أن نائل على قيد الحياة ويطلب ان ندعوا له، كنت أعلم انهم كاذبون إذ أن نائل حين يكون في أصعب لحظات حياته سيرسل سلاماته لنا ولا شيء غير ذلك، فلو قالوا انه على قيد الحياة ويرسل تحياته لكم لصدقتهم حينها، لكن الصليب الأحمر عادة لا يفيد ويزيد الطين بلة بدلا من تخفيف معاناة أهل الأسير، كانت أصعب ثلاثة شهور مررنا بها، إلى ان جاء خبر من المحامي بأنه زار نائل في مركز تحقيق عسقلان وانه أنهى التحقيق وهو بصحة جيدة ويهدينا سلاماته ويدعونا الى ان لا نقلق عليه وأنه قوي، حينها علمت فعلا أنه نائل وبدأ القلق يذهب رويدا رويدا إذ أن التحقيق هو أصعب مراحل الاعتقال، فما بالك وهو يمارس على أحد من كبدك، وهنا جاءتني فكرة كتبت عنها في حينها، وهي كيف يصبح أمل الضحية أحيانا أن يخفف تعذيبه فقط، يصبح يتمنى ان يمارس عليه تعذيبا أخف من تعذيب، وكم ومن عائلة فلسطينية فرحت حين علمت أن إبنها أنهى رحلة عذاب التحقيق ليصبح أسيرا في أحد السجون، يا لوقاحة الاستعمار ولغته وأعوانه، ويا لعظمة من قرر أن يقاوم منظومة المخرز ويهزمها.

 

على الفور تواصلت مع عائلتي وأكدت عليهم أن يوكلوا لنائل نفس المحامي الذي يترافع عني، فهو صديق وأنا أثق به وكان طلبي نابعا أيضا من تمني داخلي بأن أرى أخي نائل في أحد جلسات المحاكم العبثية التي تشكل كذبة قضائية المحتل، وفعلا قام الأهل بتعيين المحامي، الذي طالبناه على الفور بمطالبة إدارة السجون بنقل أخي إلى أحد السجون بدلا من بقائه في زنازين مركز تحقيق عسقلان كونه أنهى التحقيق، إلا ان سلطات الاحتلال لم تستجب لطلب المحامي، ومكث نائل مدة طويلة في الزنازين كنوع من انواع القمع الذي مارسته مخابرات الاحتلال عليه.

 

جاء موعد محاكمتي التي أعلمني الأهل فيها أنها ستكون في نفس يوم محاكمة نائل، فخرجت الى المحكمة هذه المرة نشيطا وبكل حيويتي وتركيزي، علني ألمح نائل وأسلم عليه ولو من بعيد، وطلبت من الأسرى الذين برفقتي ويعرفون أخي، أن يركزوا معي وان يخبروني في حال لمحوه مارا من أحد الأزقة، إلى أن جاء المحامي الى زنزانة الانتظار وقال لي سوف تكون جلستك مع اخيك جلسة واحدة، بمعنى سوف يجلس نائل بجانبي داخل قفص النسور بالمحكمة، حينها فرحت كثيرا وشحنت طاقتي لكي أسيطر على لحظة اللقاء، حاورت عواطفي بأن إبقي داخلية وأخرجك فيما بعد أما الآن كوني قوية صلبة ومدي أخي بالقوة.

 

دخلت الى المحكمة ووجدت أهلي داخل قاعة المحكمة، لكن نائل لم يكن بالمحكمة بعد، فجلست وتحدثت مع الأهل وكان محور حديثنا حول قلقنا على نائل إذ أن هذه المرة الأولى التي سنراه فيها بعد رحلة الألم التي مر بها، لم أكترث حينها كم سيتم الحكم علي وما إلى ذلك كنت أوزع نظري ما بين أهلي وباب المحكمة أنتظر دخول نائل لكي أحضنه وأقبله وأشد على ساعديه رغم قناعتي بأنه هو من كان سيشد على ساعدي حينها.

 

دخل أسير إلى المحكمة وجلس بجانبي في قفص النسور ينتظر قدوم القاضي لمحاكمته، ألقيت بالتحية عليه وعاودت الحديث مع أهلي وكلي حرقة لماذا تأخر نائل، إلى ان جاء صوت من جلس بجانبي وقال (رائد) حينها شعرت بجسدي يقشعر كامله إنه صوت نائل ولكن أين نائل، فنظرت إلى الأسير الذي يجلس بجانبي، ويلبس بدلة السجن الكبيرة جدا جدا عليه، ويلبس حذاء بلا أربطة ووجهه أبيضا أبيضا كأنه لم يرى الشمس منذ سنين، تأملت وجهه كثيرا إلا أنني لم أعرفه سوى من ضحكته، هذه ضحكة نائل هذا هو النائل، وسط ركام العذاب يضحك، أخذته إلى صدري وقلت لأهلي الذين لم يعرفوه مثلي إنه نائل، ها هو العفريت الذي أقلقنا عليه، غمرته بكل ما كان لدي من قلق وخوف، تحدثنا لدقائق معدودة وقال لي إنه تحمل وإنه الآن في الزنازين الجماعية وانه ينتظر خروجه الى سجن الأشبال، كان حديثا سريعا كأننا نغش بإمتحان، قبلته قدر ما استطعت وحضنته قدر ما استطعت، واعتذرت له بصمت أنني اخاه الأكبر لكنني لا استطيع خدمته الآن فمن يكبل أيدينا أقوى مني ومنه حاليا، وحين جاء وقت الوداع ودعنا بعضنا البعض وكأننا سوف نلتقي بعد أيام.

 

عدت الى القسم في المعتقل ولم تفارق صورة أخي خيالي، وكم يستطيع هذا العدو ان يعذب حتى الملامح الإنسانية، تحول قلقي الى حقد وخوفي الى إصرار، ولم أعد ألوم نفسي على شيء، إلا انني زدت يقينا أنني لم أكن أستطيع ان أمنع أخي عن خوض طريق النضال، بل إنني الآن لا أريد أن امنع اخي عن هذا الطريق بل أحثه كما سأحث أبنائي عليه، إذ إنك حين تكون محايدا في معركتك هذا يعني أن تكون هدفا صامتا للعدو، والأجدى ان تكون هدفا متمردا رافضا.

 

 

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى