جدران مخيم قلنديا.. سيرة ذاتية للشهداء والأسرى والنكبة  

القدس المحتلة – القسطل: عند مرورك بالمدخل الرئيسي لمخيم قلنديا الواقع شمال القدس المحتلة، لا بدّ وأن يقع ناظريك على الرسومات الوطنية التي تزين جدرانه، فهذا المخيم كغيره من المخيمات الفلسطينية، يجمع لاجئين هجروا من قراهم عام 1948، وقد بدأ شبابه بالرسم الغرافيتي على كل جدار يرونه فارغا، لأن هذا الفن بالنسبة لهم، هو الملاذ الآمن لكل شخص يريد أن يعبر عن حريته وأفكاره، خاصة في القضايا السياسية المرتبطة بالصراع مع الاحتلال، كقضية الشهداء والأسرى. لذلك، وفي كل حارة تجد رسومات يعبر مضمونها عن المعاناة والشوق والحنين لأشخاص صعدت أرواحهم للسماء، وآخرين غيبتهم سجون المحتل.

تطور الرسم الغرافيتي في المخيم من الرسومات البسيطة والشعارات العادية، إلى أن أصبح لكل رسمة رسالة، وخلال الانتفاضتين، الأولى والثانية، انتشرت بكثرة في مخيمات اللجوء الفلسطينية ثقافة الرسم على الجدران، وأدرجها الاحتلال كنوع من أنواع العمل المقاوم، وأصبح الرسم تهمة يسجن عليه صاحبه، وترفق الرسومات ضمن لائحة الاتهام، لذلك كان يتكفل بالمهمة ملثمون ينتظرون قدوم الليل للبدء بالرسم أو الكتابة.

وبعد اتفاق أوسلو وقدوم السلطة الفلسطينية، خفف الاحتلال من وطأة ملاحقته لمن يرسم على الجدران، ومع ذلك، عند رسم أي جدارية يتخذ الرسامون كافة الاحتياطات، حتى لا ينكشف أمرهم.

بلال عماد أو “الجن” كما يلقبه أهل المخيم، شاب يمارس هواية الرسم الغرافيتي ليلا في مخيم قلنديا، وقد يكون هذا هو السر وراء اللقب، بالإضافة إلى لياقته البدنية وممارسته الرياضة باستمرار وحركته المستمرة.

يقول عماد في مقابلة مع “القسطل“: “أحببت الرسم منذ الصغر، وطورت مهاراتي حتى أصبحت رساما، والسبب الذي دفعني لرسم الشهداء والأسرى فقط هو فقداني صديقين عزيزين قتلهما الاحتلال على أرض المخيم”.

ويشير إلى أن فكرة رسم الشهيد أو الأسير على جدران المخيم هي بمثابة رسالة واضحة أن الشهيد حي لا يموت، وأن الأسير سينال الحرية حتى لو طال الزمن، “وتعرضت للكثير من الانتقادات من قبل عائلتي، التي تخشى أن أتعرض للمساءلة أو التهديد بسبب رسوماتي الثورية، ولكنني مصر على الاستمرار في ما بدأت”.

لجداريات الشهداء والأسرى أهميتين، كما يوضح عماد؛ الأولى: تكريم أهل الشهيد أو الأسير باعتبار ابنهم رمزا من رموز الثورة والنضال، والثانية، تحدي الاحتلال، الذي يقتحم المخيم باستمرار، وبمجرد رؤية جنوده وضباط مخابراته للرسومات، يتولد لديهم شعور باليأس، لأنهم سيدركون أن الشهيد والأسير يتحولان لرموز وأن هناك من يمضي على نهجهم الثوري، وأن المقاومة باقية ما بقي الاحتلال.

ويقول والد أحد الشهداء الذين قام عماد برسم صورته في مقابلة مع “القسطل“:”صورة ابني على الجدار نوع من المواساة لقلوبنا وقلوب أهالي الشهداء الآخرين، وهذا يبرهن بأن الشهيد لم يستشهد بلا ثمن، وأن ذكراه ستبقى موجودة فينا، وأريد أن أقول باختصار، إن الشهداء الذين ضحوا بأرواحهم من أجل أرضهم ووطنهم، يستحقون الوفاء والمضي على نهجهم”.

وشكلت مجموعة من الشبان والشابات مبادرة تحت عنوان “شهداء على الحيطان” لإحياء ذكرى الشهداء، ويوضح عضو المبادرة عبدالله الشويكي لـ”القسطل“: ” أن هذه المبادرة بدأت بفكرة بسيطة من مجموعة من طلاب جامعة بيرزيت، ومن ثم أصبحت مشروعا يهدف لتوثيق وإحياء صور وذكرى الشهداء، ومن ضمنهم شهداء مقابر الأرقام، وعمل سلسلة أفلام عنهم ورسمهم على الجدران، وذلك لأن الشهيد ليس مجرد رقم، بل قصة وحكاية”.

وفي عام 2018 رفضت وكالة الغوث للاجئين “الأونروا” رسم أي شعارات تعكس حقيقة النضال الفلسطيني بما في ذلك على جدران مدارسها أو العيادة أو الجدران التي تخص مؤسساتها في مخيم قلنديا، لكن الفنان الفلسطيني سامي الديك قرر رسم جدارية كبيرة على جدار معهد قلنديا التابع للأونروا، تعكس المجازر التي ارتكبها الاحتلال بحق الفلسطينيين من خلال الألوان.

وشملت جدارية الديك إشارات تدلل على سياسة التهجير، بالإضافة لوجود ملثمين ومقاومين، وعلى إثر ذلك طلبت  قوات الاحتلال من الأونروا مسح الجدارية، وقد تم استبدالها في وقت لاحق برسومات عن الطبيعة، وكأن الاحتلال يحاول إبعاد الأنظار عن صور الشهداء.

ويؤكد الرسام عماد  لـ”القسطل” أن قوة الرسائل التي كانت تحملها الرسومات الموجودة على جدران الأونروا كانت كافية لأن ترسخ في ذاكرة كل شخص يمر من أمامها بأن قضية اللجوء مستمرة، وأمل العودة إلى القرى المهجرة قائم.

وينهي عماد حديثه قائلا: “معظم الكتابات والرسومات على جدران المخيم ثورية ووطنية، لأننا شعب كبر ووعي على شيء اسمه الثورة، لذلك من واجبي وواجب كل شخص أن يكون مسؤولا عن توصيل هذه الرسالة للأجيال القادمة، لأن المقاومة والثورة هي الطريق الوحيد للحرية”. 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى