الأقصى ما بين مخاطر التقسيم والتطبيع

مع بدء ما يسمى بعيد الأنوار اليهودي ” الحانوكاه” في العاشر من الشهر الحالي، زادت وتيرة عمليات الاقتحام للمسجد الأقصى بوتيرة غير مسبوقة، حيث جرى تغيير مسار الاقتحامات، وصلوات تلمودية توراتية علنية بين الأشجار في ساحات الأقصى وتمديد فترة الاقتحامات صباحاً وبعد الظهر، ووضع شعمدانات ضخمة بالقرب من أبواب الأقصى، مطالبة الجماعات التلمودية والتوراتية بإدخالها إلى المسجد الأقصى من أجل أداء طقوسها وصلواتها التلمودية في ساحاته، تحت ذريعة كيف لا يسمح لهم بأداء طقوسهم وصلواتهم فيما يسمونه “المعبد” وهو تحت السيطرة الإسرائيلية بعد ألفي عام من الشتات والتشرد.

واضح من تركز الاقتحامات على باب الرحمة بأن الاستهداف يخص المنطقة الشرقية من المسجد الأقصى، والتي توازي ثلث مساحة المسجد الأقصى، بهدف إقامة كنيس يهودي ضخم يتم الدخول إليه من باب الرحمة بعد الإستيلاء على جزء من مقبرة باب الرحمة وجزء من مقبرة اليوسفية التي تحتضن قبور شهداء الجيش الأردني والمجاهدين والعلماء، حيث تعمل بلدية الاحتلال تحت حراسة جيشها وشرطتها على هدم درج مقبرة اليوسفية، وهدم درج المقبرة اليوسفية والاستيلاء على جزء منها بالإضافة إلى الجزء المُستولى عليه من مقبرة باب الرحمة، الهدف منه إقامة حديقة تلمودية ومسارات توراتية، بحيث يجري ربط  كامل المنطقة مع القصور الأموية المُستولى عليها بإتجاه حائط البراق “المبكى”، والمخطط لإقامة الحدائق التلمودية والتوراتية يشمل أيضًا حفر قواعد خرسانية  لثلاثة عشر عمودًا بإرتفاع 26 مترًا لكي تشكّل مسارًا للقطار الطائر”التلفريك”، والذي سيُستخدم من أجل جلب الجماعات التلمودية والتوراتية والسياح بأعداد كبيرة، وهذا القطار الطائر سيُمكّن من مراقبة الحركة وكل ما يجري داخل المسجد الأقصى، ويضاف إلى ذلك ولتغيير المشهد الكلي وللتغطية على قباب المسجد الأقصى وحجبها، جرى إقامة أعداد كبيرة من الكنس والمباني التلمودية والتوراتية حول المسجد الأقصى، ولعلّ أضخمها إقامة المشروع التهويدي المسمى بـ “جوهرة اسرائيل” بإضافة توسعة إلى الكنيس القائم على أرض وقف إسلامي وبناء إسلامي تاريخي بمساحة 1400م، بناء طابقين تحت الأرض وأربعة طوابق فوق الأرض وبارتفاع 23 مترا عن الشارع وبتكلفة 48 مليون شيكل.

ما يجري تنفيذه من مشاريع ومخططات تلمودية وتوراتية وحفر أنفاق حول الأقصى وأسفله، واقتحامات يومية بأعداد كبيرة، واستهداف منطقة باب الرحمة يضعنا أمام تساؤلات بأن صفقة القرن فيما يخص الأقصى باتت قريبة والحديث عن صلاة إبراهيم أو ما يسمونه “أبراهام” استنادا إلى اتفاقيات التطبيع التي تجري مع دول النظام الرسمي العربي بأن التقسيم المكاني للأقصى ليس بالبعيد، والخشية بل المخاوف أن عملية التنفيذ ستجري بمشاركة عربية، فنحن شهدنا في عيد الأنوار اليهودي ” الحانوكاه” هذا العام مشاركة وفد تطبيعي إمارتي – بحراني في إضاءة الشمعدان اليهودي في ساحة حائط البراق في القدس، وليس هذا فحسب، بل في ظل حالة  “الإنهراق” والفجور التطبيعي العربي الرسمي وجدنا وفودا تطبيعية من أكثر من دولة مُطبّعة، وبالذات الإمارات والبحرين، يدخلون خلسة الى المسجد الأقصى احيانا بلباس تنكري او في أوقات لا يكون فيها عدد كبير من المقدسيين في الأقصى، وعبر البوابة التي يقتحم منها المستوطنون المسجد الأقصى تحت حماية وحراسة شرطة الإحتلال وجيشه، مما جعل المقدسيون يشبّهون هذه الزيارات على أنها مساوية لاقتحامات المستوطنين، حيث لم يجر تنسيق الزيارات مع الأوقاف، ولم يدخل هؤلاء الزائرون او الراغبون في الصلاة في المسجد الأقصى عبر بوابات الأقصى التي يدخل منها باقي المصلين او القادمين من دول إسلامية، أتراك واندونسيين  وغيرهم، ولكون هؤلاء القادمين اختاروا الدخول للأقصى من باب المغاربة المُسيّطر عليه والمتحكم به بشكل كلي الاحتلال، ولشعور المقدسيين بأن هؤلاء العرب وجهوا طعنة غادرة لشعبنا الفلسطيني ولنضالاته وتضحياته في علنية علاقاتهم التطبيعية مع دولة الاحتلال، لم يستوعبوا دخولهم للأقصى، حيث اعتبروهم بسلوكهم هذا مدنسين للأقصى، ولذلك تعرضوا للطرد والتهجم عليهم.

نحن ندرك تماماً بأن استمرار دخول هؤلاء من بوابة باب المغاربة  التي يتسلل منها المستوطنون إلى الأقصى بحماية شرطتهم وجيشهم، ربما يدفع إلى تحديد أوقات معينة لدخولهم إلى المسجد الأقصى، مما يعني المزيد من التقسيم الزماني للأقصى، ولذلك رغم النفي الأردني الفلسطيني، كانت هناك انباء تتحدث عن عقد لقاء رباعي  فلسطيني- أردني – إماراتي- بحراني، من أجل ترتيب دخول هؤلاء إلى المسجد الأقصى من البوابات التي يدخل منها باقي المصلين، ولعل القمة التي جمعت الملك الأردني وولي العهد الإماراتي محمد بن زايد والملك البحراني حمد بن خليفة في أبو ظبي في السابع عشر من الشهر الفائت ناقشت هذه القضية.

الخطر الذي يواجه المسجد الأقصى جدي وحقيقي، فالمحتل لا يسعى فقط لإيجاد موطىء قدم مكاني له في المسجد الأقصى، ولكن ما تضمنته صفقة القرن والاتفاقيات التطبيعية العلنية والمسماة بـ”اتفاق ابراهام” والحديث عن الصلاة الإسلامية – المسيحية – اليهودية، وتمكين كل أتباع الديانات من الوصول بحرية إلى “المعبد” والمقصود هنا المسجد الأقصى، بأن ما ينتظر الأقصى تقسيم مكاني كما حدث في الحرم الإبراهيمي في الخليل، ولكن هذه المرة بتواطؤ ومشاركة عربية في العملية، ولذلك باتت مخاطر التطبيع العربي الرسمي العلني لا تنعكس فقط على قضيتنا الفلسطينية وحقوقنا، وبأنها تشكل طعنة غادرة لنضالات وتضحيات شعبنا الفلسطيني، وهي كذلك تُعبّر عن ارتماء المطبعين في حضن دولة الاحتلال، وتشريع كل ما يقوم به من إجراءات وممارسات قمعية وتنكيلية بحق شعبنا الفلسطيني، والثمن هو فلسطين وشعبها وقضيتها وحقوقها ومقدساتها وفي المقدمة منها المسجد الأقصى.

نحن ندق نقوس الخطر، ونقول بأن مسألة التقسيم المكاني لم تعد سوى مسألة وقت، والصراع سيحتدم على هوية القسم الشرقي من المسجد الأقصى، وهل الكتلة الشعبية الكبيرة التي أفشلت مخطط ومشروع وضع البوابات الإلكترونية على بوابات الأقصى في تموز/2017، عبر صلواتها في الشوارع والساحات العامة وبالقرب من بوابات الأقصى، وتحويلها لسجاجيد صلواتها الى سجاجيد مقاومة، يمكن لها ان تنجح في منع عملية التقسيم المكاني؟ في ظل متغيرات كبرى في العالم والإقليم والمنطقة، حيث البيئة الحاضنة والبعد العربي الإسلامي، يعيش حالة وهن وضعف وانهيار، بل وهناك بعض الأطراف العربية المطبعة باتت تتبنى الرواية الصهيونية، وتشكك في مكان وجود الأقصى وقدسيته.

نحن نراهن على الطاقة الكامنة الموجودة عند أبناء شعبنا الفلسطيني، وإرادة اهل القدس وشعبنا وأهلنا في الداخل الفلسطيني، وكذلك رغم حالة الانهيار العربي، إلا أن ثقتنا بأن شعوبنا العربية والإسلامية قادرة على النهوض وحماية مسرى رسولها محمد صلى الله عليه وسلم ومعراجه وقبلة المسلمين الأولى، والمسجد الذي يعد واحدا من المساجد الثلاثة التي يُشدّ الرحال إليها.

زر الذهاب إلى الأعلى