هوية الصلاة في الأقصى..صراعٌ بين عبادة المطبعين والمقدسيين

القدس المحتلة-القدس المحتلة: تشكل الصلاة والعبادة في الأماكن المقدسة في القدس المحتلة جزءا مهما من هوية المقدسيين وصراعهم ضد التهويد في المدينة المقدسة، في ضوء الحملة الشرسة التي تستهدف كل ما يُعبّر عن هوية المدينة، مع الإشارة إلى أن الهوية مسألة متغيرة وتتبع للظروف والحالة النفسية والظروف الاجتماعية والسياسية التي يعيشها الإنسان.

وفي السياق يقول السكرتير العام للهيئة المقدسية لمناهضة الهدم والتهجير ناصر الهدمي لـ”القسطل” إن الهوية المقدسية تتعاظم يوما بعد يوم، وقد تجلت في السنوات الأخيرة حينما استطاع المقدسيون أن يمنعوا سلطات الاحتلال من وضع البوابات الإلكترونية على مداخل المسجد الأقصى المبارك، وقد ساهم هذا الانتصار في اعتزاز المقدسيين بهويتهم.

وأضاف الهدمي في تعليقه على ارتباط الهوية المقدسية بالعبادة:”عندما منع الاحتلال المقدسيون من الصلاة في المسجد الأقصى، تحولت صلاتهم وعبادتهم للشارع، لأن العبادة أصبحت جزءا من هويتهم الرافضة لإجراءات الاحتلال، وهذه الصلاة كانت نوعا من التحدي للاحتلال وشكلا من أشكال المقاومة للمخططات الإجراءات الإسرائيلية ومن بينها اقتحامات المستوطنين”.

وبحسب الهدمي، فإن الأقصى مكان صراع على الهوية والسيادة، والرباط في الأقصى هو تكريس لسيادة الفلسطيني في المكان وتأكيد على هوية المدينة غير القابلة للتهويد.

ويشير الهدمي إلى أن العبادة تحولت في السياق الاستعماري والمواجهة مع الاحتلال إلى رمز من رموز التحدي وفرض السيادة من قبل المقدسيين والفلسطينيين ككل في المسجد الأقصى، وهو ما يفسر محاولة الاحتلال حرمانهم من الصلاة هناك وإقرار إجراءات تحدّ من الوصول لهذا المكان.

ويوضح أن تواجد المقدسيين في الأماكن المقدسة شكّل عائقا أمام الاحتلال في تنفيذ مخططاته التهويدية، سواء بالمسجد الاقصى المبارك أو حتى على أبوابه.

وتابع الهدمي:”الاحتلال لا يريد إضفاء الطابع العقائدي على الصراع لأنه يعي بأن ذلك يوحّدنا، لكنه في الوقت نفسه مُصرٌّ على مصادرة الأماكن المقدسة في القدس من أجل بناء هيكله المزعوم”.

ويرى الهدمي أن المعايير السابقة لهوية العبادة في القدس تؤكد على أن المطبعين يريدون إخراج العبادات في هذا المكان من سياقها، وقد جاؤوا بأمر وحماية وتشجيع من الاحتلال، لتصبح العبادة مرتبطة بالتنسيق مع الاحتلال لا بمواجهته، وذلك لتكريس فكرة العبادة تحت شروط وسقف الاحتلال، الذي يحاول الظهور بمظهر المحافظ على حرية العبادة والأديان.

ويستكمل الهدمي قائلا: “بعض المطبعين وليس جميعهم يذهبون للصلاة في الأقصى لتخفيف التلوث الذي لحق بهم جراء التطبيع وزيارتهم للاحتلال، وهذا أمر مردود عليهم، لأن دخولهم للأقصى أسوأ من التطبيع نفسه، لأن فيه نفي لحقيقة المكان وطبيعة الصراع”.

وبحسب السكرتير العام للهيئة المقدسية لمناهضة الهدم والتهجير، فإن مشاهد المطبعين مع قوات الاحتلال في الأقصى، يوحي للعالم بأن الاحتلال يحافظ على أمن هذا المكان، وأنه يوفر الحرية الكاملة للصلاة فيه، رغم أن الحقائق على الأرض عكس ذلك، وبذلك تصبح وفود التطبيع أحد أوجه الرواية “الإسرائيلية” حول المكان.

بدوره، يرى أستاذ الإعلام في جامعة بيرزيت والمتخصص في قضايا الهوية، معز كراجة، أن زيارات المطبعين للمسجد الأقصى تأتي استكمالا لزيارات مثقفين وفنانين وكُتّاب عرب لدولة الاحتلال، وهدفها كسر الحواجز النفسية قبل السياسية مع المواطن العربي، ليبدو تواجده في فلسطين والقدس وداخل المقدسات تحت حماية جيش الاحتلال أمرا طبيعيا.

وقال كراجة في مقابلة مع “القسطل“: “لا شك أن صور الوفود الإماراتية التي وصلت للقدس والأقصى، مبتذلة وسريالية، و”إسرائيل” تستثمر في ذلك في الإعلام الدولي حتى تظهر بمظهر الدولة المنفتحة التي تفتح القدس أمام كل من يريد زيارتها من العرب طالما أنها زيارات تأتي في سياق “السلام”. هذه صور تُخفي خلفها حقيقة المنع من الوصول للقدس الذي يمارسه الاحتلال على الفلسطيني”.

وأضاف كراجة:”إن تكرار هذه المشاهد والزيارات، وتكرار النقل والبث لتفاصيل هذه الزيارات وما تتضمنه من تواصل مع “الإسرائيلي”، لا شك أنه سيساهم في خلط صورة الإسرائيلي كمواطن طبيعي وعادي كغيره بصورة “الإسرائيلي” المرتبطة تاريخيا بوعي العربي كمحتل وجندي وعسكري. هذه المشاهد ستغرق الفضاء الإعلامي العربي بمزيد من النقاشات المزيفة حول ماهية العلاقة بهذا “الإسرائيلي”، وذلك بعد أن كان هنالك علاقة واحدة وحيدة وهي علاقة الصراع بمحتل واحتلال”.

وبحسب الباحث في الشأن الإسرائيلي، والمحاضر في جامعة بيت لحم، محمد هلسة، فإن الصراع على هوية القدس ومقدساتها قديم يتجدد مع كل احتلال، فعندما سيطر الصليبيون على القدس حوّلوا الأقصى لاسطبل للخيول، ومع التحرير الإسلامي للمدينة بقيادة صلاح الدين الأيوبي، عاد للأقصى هويته.

وأشار هلسة، في مقابلة مع “القسطل“، أن الانتفاضات الفلسطينية والثورات في ظل الاحتلال انطلقت غالبيتها بسبب أحداث في القدس ومحاولات للمساس بالمقدسات، وهو ما يؤكد على أنها قاسم مشترك جمعي لكل الفلسطينيين وجزء متأصل من هويتهم، وهو الأمر الذي يحاول المطبعون نفيه من الوعي العربي.

ويعتقد الباحث عبد الله عمر في دراسته “إسرائيل والقدس وأزمة الهوية” أن المجتمع الاستعماري الإسرائيلي غير قادر على تشكيل هوية سياسية جامعة، وأن الفرد في هذا المجتمع غير قادر على تحديد هويته وشخصيته ضمن العالم المعاصر ومتغيراته.

ويرى عمر أنه ومع فشل الصهيونية في إنشاء هوية حقيقية للمجتمع “الإسرائيلي”؛ فإنها تسعى إلى التأسيس لهوية رمزية متمثلة بالقدس، ولتحقيق هذا الغرض، يحاول الاحتلال نفي كل ما هو مقدسي عنها، خاصة ما يتعلق بمظاهر الهوية، وهو ما يفسّر سعيه المحموم للحصول على شرعنة لسيادته في القدس من بوابة الإدارة الأمريكية والمطبعين.

زر الذهاب إلى الأعلى