“التجنيس” ومخاطر “صهر الوعي” وتطويعه!

ندرك تماماً بأنه عندما يكون هناك وضع ثوري ومد وطني وقوى فاعلة على الأرض ميدانياً، وقادرة على أن تفرض حضورها ودورها وفعلها في الشارع، تتراجع القوى المطالبة بتطبيع علاقاتها مع الاحتلال وتشريع التعامل معه، بحكم أنه لا يجوز القفز عن الواقع أو التغاضي عنه، ولكن في إطار التعامل مع الاحتلال يجب أن نميز في العلاقة بين ما هو قسري وما هو غير قسري.

هذه العلاقة يجب لا أن تخرق الثوابت الوطنية أو أن نسمح للتكتيك بانتهاك الإستراتيجية، فعلى سبيل المثال لا الحصر حق شعبنا في الحرية والاستقلال لا جدال أو نقاش فيه، وهذا الحق قد يقترب أو يبتعد تحقيقه رهناً بالواقع والظروف الذاتية والموضوعية والقيادة التي تقود المشروع الوطني التحرري، وفي إطار النقاش الملموس للعلاقة مع الاحتلال في مدينة القدس وبالذات فيما يتعلق بقضية التجنيس أو تحصيل حقوقنا الاقتصادية أو الاجتماعية لكوننا ملزمين قسراً بدفع الضرائب للاحتلال، والتي يفترض أن تنعكس على شعبنا خدمات وتحصيل حقوق، فأصحاب النهج أو الطرح الذي يقول إن علينا أن نخوض نضالاً ضد الاحتلال في سبيل تحصيل حقوقنا، منطلقين من قولهم إن هذا الاحتلال أضحى واقعاً، ولا مناص من إقامة أجسام وتشكيلات تتعاطى معه على قاعدة شرعيته ولا ضرر من المشاركة في الانتخابات البلدية، لبلدية الاحتلال، لأن ذلك من شأنه أن يسهم في انتزاع حقوقنا من المحتل.

هذا الطرح للوهلة الأولى يبدو أن فيه جانب من الصوابية، ولكن المحتل في إطار سعيه لاختراق وعينا وكيهوتطويعهوصهرهيستهدف أسرلة المجتمع المقدسي عبر سلسلة من الإجراءات والممارسات، منها؛ أسرلة المنهاج والعملية التعليمية وأسرلة كل مكونات الوجود الفلسطيني في المدينة من مؤسسات ثقافية وجماهيرية وصحية وحتى مواصلات وغيرها. والهدف في النهايةتذويبالرفض الفلسطيني للوجود الإسرائيلي، والتعاطي معه على أساس بأن حقوقنا في القدس مدنية مقلصة حقوق اقتصادية واجتماعية والقفز عن الحقوق السياسية والتي تشكل حجر الزاوية في الموقف والنقاش، والتي يعتبر التخلي عنها ضياعا لهويتنا وثقافتنا وحضارتنا وتاريخنا وحقوقنا في المدينة ونفي لروايتنا التاريخية.

فيما يتعلق بقضية التجنيس لسكان مدينة القدس من الفلسطينيين، كان هناك نقاش وخلافات لدى الاحتلال حول قضيةالتجنيسوأثارها وتداعياتها، وخاصة أن المشروع الصهيوني قائم على ضم أكثر مساحة من الأرض وأقل عدد من السكان، والظروف السياسية القائمة في تلك الفترة في ظل موازين قوى ومواقف دولية، قد لا تسمح للمحتل في تنفيذ مشروعه ومخططاته في المدينة، بالصورة الموجودة عليها الآن، حيث مخططات ومشاريع الضم والتهويد للمدينة والقرار الأمريكي بالاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال، وما نشهده من فجور تطبيع عربي رسمي وصل حد علنية وشرعنة مع دولة الاحتلال، وأكثر من ذلك نسج تحالفات أمنية وعسكرية مع هذه الدولة، لتصل حد مشاركة إسرائيل في رسم المشهد الأمني للمنطقة، بحضور عاموس يادين رئيس المخابرات العسكرية السابق في دولة الاحتلال لمؤتمر ما يسمى بـحوار المنامةمؤتمر تحديات الأمن الإقليمي.

كل هذه التطورات والمتغيرات، هي التي دفعت الاحتلال للدفع بقضية تجنيس المواطنين العرب في القدس إلى الأمام.

فمع بداية الاحتلال بعد عام 1967 مباشرة، أي بعد 21 يوما من الاحتلال وإعلان ضم المدينة، جرى حسم النقاش الداخلي الصهيوني، بالتعامل مع السكان العرب وفق ما عرف بقانونالدخول إلى إسرائيل، وهو قانون عنصري بامتياز يعتبر سكان مدينة القدس الأصلانيين والطبيعيين في وطنهم بأنهم دخلوا إلى إسرائيللا أن دولة الاحتلال احتلت أرضهم وضمتهم بالقوة، وضمن هذا القانون جرى سحب إقامات نواب حركةحماس ووزير شؤونها السابق، محمد أبو طير، أحمد عطون، محمد طوطح، وخالد أبو عرفة، وإبعادهم إلى خارج حدود ما يسمى بلدية القدس، وجرى التعامل مع المقدسيين على أساس صفةالمقيم الدائموهذا بالملموس التهديد المستمر لسكان القدس العرب بأن خطر الطرد والترحيل يتهدد كل واحد منهم إذا ما خالف شروط الإقامة، فالقانون الدولي يعتبر منح التأشيرة وحق الإقامة، حقًا سياديًا للدول وليس حقاً مكتسباً للأفراد، واستخدمت إسرائيل هذا الحق في سحب الهوية الزرقاء من عدد من الأسرى الذي قاوموا دولة الاحتلال.

الآن إسرائيل تريد فرض سيادتها وسيطرتها على المدينة وتهويدها، وترى بأن الظروف باتت ملائمة للشروع في تطبيق قانونالتجنيس بعد أن تتمكن من تغيير الواقع الديمغرافي بحيث يتحول من يرفضون جنسية دولة الاحتلال إلى أقلية وجزر متناثرة في محيط إسرائيلي واسع.

ما الذي يدفع المواطن المقدسي لطلب الجنسية الإسرائيلية؟

نحن ندرك تماماً بأن هناك دول وشعوب مرت في الظروف التي يمر بها شعبنا، وحاول الاحتلال أن يفرض على شعوبها التجنيس بالقوة، ففرنسا عندما احتلت الجزائر لأكثر من 130 عاماً حاولتفرنسةالشعب الجزائري، ووجدنا هناك من الجزائريين من تعاطوا مع ذلك، وكذلك فعلت بريطانيا مع إيرلندا الشمالية، ولكن المقاومة وإرادة الشعبين وصلابة القيادة أفشلت تلك المخططات.

في البداية من وجهة نظري أن أي احتلال يسعى لفرض سيطرته بالقوة على السكان المحتلين والتحكم في مصائرهم وكل مناحي وشؤون حياتهم، ويسعى إلىتدجينهموتطويعهموفرض رؤيته ومشاريعه ومخططاته عليهم، أي تحويل واقعهم إلى جحيم. وفي خضم هذا الصراع وفي ظل عدم التوعية بمخاطر الإقدام على التجنيس، وكذلك حالة اليأس وفقدان الثقة من القيادة الفلسطينية وصعوبة الواقع، وضعف الانتماء عند الشخص، والظروف الصعبة التي تعيشها المدينة حيث القيود كبيرة على البناءالخ، وعدم قدرته على البناء والسكن في المدينة، تدفعه بدون وعي لتنفيذ مخطط الاحتلال، بالخروج الطوعي من المدينة، هذا المشروع الذي يعود إلى النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي، بعد استلام اليمين للحكم في دولة الاحتلال، والذي رأى بأن مشروع الخروج الطوعي للمقدسيين العرب من خلال التجنيس، يسهم إلى حد كبير في تهويد المدينة وتحقيق الأغلبية اليهودية فيها، وكذلك فهو يضرب النسيج المجتمعي المقدسي، وخاصة بأن الإصرار على منح المقدسيين صفةمقيم دائم قد يدفعهم نحو المزيد من التمسك بوجودهم وبقائهم في المدينة لانعدام الخيارات أمامهم.

الخروج الطوعي للمقدسيين بعد التجنيس، سيحقق الأهداف المرجوة منه، من خلال خروج المواطن المقدسي للسكن في الضفة الغربية أو مدن الداخل الفلسطيني أو الخروج للعمل خارج البلاد والاستقرار في الدول التي يذهبون إليها، ولكن حتى هذا المخطط كان لدى الأجهزة الأمنية وصناع القرار الصهيوني تخوفات في العمل على تطبيقه.

كما قلنا فالمواطن المقدسي الذي يقدم على طلب الجنسية، قد يكون دافعه هو السكن في أي مكان يريده دون أن يتهدده خطر سحب هويته الزرقاء، ولكون مركز حياته ليس مدينة القدس، وربما يكون من المقيمين في ضواحي القدس أو مدن الضفة الغربية، وكذلك يعتقد المواطنون العاملون في المؤسسات الإسرائيلية من تربية وتعليم ووزارة داخلية أو بلدية وغيرها، بأن ذلك قد يوفر لهم فرص التطور والتقدم الوظيفي والحصول على امتيازات وغيرها، مقايضين بذلك حقوقهم الوطنية السياسية بالحقوق المدنية اقتصادية واجتماعية، وتغليب الشخصي على الوطني العام.

من يريد من سكان القدس العرب التقدم لوزارة داخلية الاحتلال للحصول على الجنسية الإسرائيلية، بالضرورة أن يكون مركز حياته القدس، اعتماداً على مجموعة وثائق فواتير كهرباء وماء وضريبة مسقفاتأرنوناوشهادات مدرسية مقدسية وتأمين صحي من صندوق مرضى تابع لوزارة الصحة الإسرائيلية وتأمين وطنيالخ، وكذلك يشترط على المتقدم أن لا يحمل جنسية دولة أخرى، وأن لا يكون قد نفذ عمليات فدائية أو متهم بتهم جنائية تزيد عن خمس سنوات، وعليه أن يثبت ولاءه لدولة الاحتلال.

أما فيما يتعلق بأعداد الحاصلين على الجنسية الإسرائيلية، فلا وجود لإحصائيات دقيقة لا من مصادر فلسطينية او اسرائيلية، فالتقديرات تشير الى أن مجموع الحاصلين على الجنسية الإسرائيلية يقع بين 12 -22 ألف مواطن من ما مجموعه 330-350 ألف مواطن مقدسي، والتباين في العدد يرجع الى أن جزءًا من أهلنا وشعبنا في الداخل الفلسطيني مركز سكنهم وحياتهم القدس، ولكن نحن نعتقد بأن هناك ارتفاع في أعداد الحاصلين على الجنسية الإسرائيلية، ففي تصريح للسيد رامي صالح، مدير مركز القدس المساعدة القانونية في القدس لموقعالقسطليقولإنه خلال عام 2018 تم تقديم نحو 707 طلبات لداخلية الاحتلال من قبل فلسطينيين للحصول على الجنسية، حيث تم رفض 345 طلبًا، والموافقة على 362 طلبًا. أما خلال عام 2019 تم تقديم نحو 2006 طلبات، حيث تم رفض 1096 طلبًا، والموافقة على 910 طلبات“.

ما الذي يهدف إليه الاحتلال من التجنيس؟

أعتقد بأن مسألة التسريع في عملية التجنيس للمواطنين العرب، ليس سببها المباشر والأساسي هو حكم محكمة الصلح التابعة للاحتلال في القدس بإلزام وزارة الداخلية بنشر شروط قبول طلبات التجنس للمتقدمين الشباب، وتسهيل الإجراءات بشكل يقدر بأنه سيفيد 20 ألف شخص في تسريع الحصول على الجنسية، ولكنني أجزم بأن ذلك مرتبط بالتطورات والمتغيرات التي تحدث على الأرض، حيث المخططات والمشاريع الاستيطانية التي يجري تنفيذها على الأرض في مدينة القدس، والقرار الأمريكي بالاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال، وما يجري من عمليات طرد وتهجير عرقي في المدينة، وتوسيع لمساحتها لكي تصل إلى 10% من مساحة الضفة الغربية، وضم الكتل الاستيطانية الكبرى إليها من جنوب غرب المدينةمجمع غوش عتصيونإلى شمال شرقها مجمعمعاليه أدوميموإخراج أكثر من مئة ألف مقدسي من سكانها الحاملين للهوية الإسرائيلية والموجودين خلف جدار الفصل العنصري لقلب الواقع الديمغرافي فيها 88% مستوطنين و 12% من المواطنين العرب، وواضح أن عملية الأسرلة تستهدف وعي وذاكرة الفئة الحية من المجتمع المقدسي الشباب، فحسب صحيفةهآرتسالعبرية فقد نشرت قبل نحو أسبوعين، نقلًا عن داخلية الاحتلال أنه يحق لكل مقيم في دولة الاحتلال ويتراوح عمره ما بين 18 – 21 عامًا بدون جنسية، أن يكونمواطنًا” (أي يمكنه الحصول على الجنسية الإسرائيلية)، دون معارضة وزير الداخلية.

وزارة داخلية الاحتلال اضطرت إلى نشر هذا الإجراء بعد عدة التماسات تطالبها بالتصرف وفقًا لمادة في قانون الجنسية التي تتيح مسارًا سريعًا للتجنيس لغير المواطنين. وأوضحت الصحيفة أن التقديرات تُشير إلى أن 7000 شاب فلسطيني سيتمكنون من الحصول على الجنسية بموجب الإجراء كل عام.

رغم أن هناك قرار قضائي في تسريع إجراءات الحصول على الجنسية للشباب المقدسي، وما يحدث من متغيرات ديمغرافية وجغرافية على الأرض وحصول تطبيع علني عربي مع دولة الاحتلال، إلا أن أوساطا نافذة في حكومة الاحتلال وأجهزة مخابراتها تتخوف من عملية التجنيس، فهم ينظرون للعرب في الداخل الفلسطيني والقدس على أساس أنهم قنبلة ديمغرافية يجب التخلص منها،لأنهم يشكلون خطراً علىنقاء يهودية الدولة، ولذلك جاء قانون ما يسمى بأساس القومية الصهيونية، لكي يشرعن طرد وتهجير الفلسطينيين العرب من القدس والداخل الفلسطيني، وقرار إتاحة الفرصة للتجنيس أمام الشباب الفلسطيني قد لا يؤدي إلى الغرض المطلوب، وهو الخروج الطوعي للمقدسيين للعيش ونقل مركز حياتهم لخارج مدينة القدس، فإذا لم يخرجوا، فهو يجعل طردهم أصعب من الناحية القانونية، كما أنه سيمنحهم حقوق المواطنين في مواجهة شرطة الاحتلال، وربما يساعد ضمهم إلى كتلةفلسطينيي الداخلوربما يؤثر ذلك على رؤيتهم ومواقفهم السياسية، ولذلك ستكون وزارة الداخلية الإسرائيلية وأجهزة مخابرات الاحتلال حذرة جداً في تطبيق قضية التجنيس، وهو لم يأت بالمطلق من أجل خدمة المقدسيين، بل يأتي في إطار توظيفه بما يخدم الاحتلال بأقصى درجة ممكنة، وهذا يعني وفق الباحث ابحيص:

أولًا: إضفاء المشروعية على ضم القدس من قبل المقدسيين أنفسهم، لأن التقدم بالطلبات على أساسالإقامة داخل حدود دولة إسرائيلهو اعتراف من المقدسيين بشرعية السيادة الصهيونية على القدس. ولعل هذه الكعكة الأهم بنظر الاحتلال في ظل قرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لهم ونقل السفارة الأمريكية إليها.

ثانياً: إحداث شرخ مجتمعي مقدسي بين من يرون أنهممواطنينويتبنون خطاباً حقوقياً لتحصيل حقوقهم منالدولة، وبين من يرون أنفسهم أبناء مدينة محتلة ينشدون تحريرها ويصمدون في وجه المحتل حتى يحين أوانه.

ثالثاً: وسيلة لتقييد وتحديد سلوك المتقدمين الشباب للجنسية لكون أي خرق للقانون سيحرمهم من استكمال طلبهم، وهذا ما قد يحولهم ضمنياً إلى حراس عرب للقانون الإسرائيلي في القدس من الناحية الاجتماعية، إذ سيكونون ضد كل ما يرونهخرقاً للقانونتحقيقاً لمصالحهم.

رابعاً: طلبات التجنيس ستشكل فرصة مهمة لاختراق وإسقاط فئة الشباب بدراسة طلباتهم وحالاتهم الاجتماعية، ووضع اشتراطات خدمة لأجندة الاحتلال تحول المتقدمين إلى عملاء مؤقتين أو دائمين.

في الختام، يقول ابحيص: “أياً كان موقف الاحتلال من جدوى إشهار سلاح تجنيس المقدسيين في وجهنا، فلا بد أن ندرك جيداً أنه سلاح موجه ضد القدس والمجتمع المقدسي، والخلاف لا يدور حول كيفيةإنصافالمقدسيين، بل حول جدوى توظيف هذا السلاح ضدهم بنجاعة“.

هناك إجماع وطني وديني وشعبي على رفض التجنيس واعتباره محوًا لهويتنا الوطنية والدينية ومحو تاريخنا ووجودنا، ونذكر هنا بأن الشيخ عكرمة صبري رئيس الهيئة الإسلامية العليا أصدر عام 1998 فتوى شرعية تُحرّم الحصول علىالجنسية الإسرائيلية“. وقال فيها: “إن حمل الجنسية يعطي الصفة الشرعية لاحتلال هذه الديار المباركة المقدسة، كما يترتب على أخذ الجنسية إقرارٌ بضم القدس لكيان الاحتلال الإسرائيلي“.

وأوضح أن الحصول على الجنسية باختيار دون إكراه هو إعطاء الولاء لدولةإسرائيلوالالتزام بقوانينها والاعتراف بها.

وفي الختام نقول إنه لا بد من موقف فلسطيني جامع وطني ديني شعبي رسمي سياسي برفض قضية التجنيس والمخاطر المترتبة عليها، وهذا يتطلب القيام بأوسع حملة توعية وتثقيف في وسائل ومنصات التواصل الاجتماعي والخطب في المساجد وفي وسائل الإعلام واللقاءات المباشرة مع الناس.

زر الذهاب إلى الأعلى