الشبابُ المقدسي.. تحدي وجود وإغراقٌ ببرامج المحتلّ

إن المتابع لآخر التطورات في مدينة القدس، وبشكلٍ خاص خلال السنوات الخمسة الأخيرة، يرى وبشكلٍ واضح مدى تفشي المؤسسة “الإسرائيلية” في العديد من مراكز الشباب في مدينة القدس، وانطلاقها للعمل بشكلٍ سريع وممنهج لتقييد العمل الشبابي والمؤسساتيّ الفلسطيني، حتى باتت هذه السياسة مدروسةً بحكمة ومدعومةً بميزانيات مالية ضخمة، عبر وزارات الاحتلال المختصة وبلديته في القدس بالتحديد، والتي تحصل على هذه الميزانيات تحت إطار “التعايش” أو “التطوير” في شرقي القدس، للوصول لأكبر عددٍ ممكن من المواطنين الفلسطينيين وبأسرع وقت، وللعمل على التغيير الأيديولوجي الفكري لهم المقترن بأساليب التعليم والرفاهية المقدمة والخدمات التي توفرها للأطفال وطلاب المدارس والشباب الجامعيين وغيرهم، من خلال مراكزهم الجماهيرية التي انتشرت بكثرة خلال الفترة الأخيرة.

والمتابع يجد بأن هذه السياسات قد تطورت وتحسَّنت بخدماتها وأساليب طرحها، خاصةً بعد معركة البوابات عام 2017 وما قام به الشباب المقدسي من وقوف وصمودٍ حقيقي في وجه إجراءات المحتل في ذلك الوقت، بل وحاول المحتل من خلال بعض الإغراءات المادية استقطاب العديد من الشباب بالعمل ضمن هذه البرامج.

السواد الأعظم صمدَ ولم يقبل، والقلة القليلة هرولت للعمل تحت عدة أعذار غير مقنعة كلياً، بل صار منهم من يعمل على نشر هذه البرامج التي أغرقت المدارس والمراكز الجماهيرية في السنوات الأخيرة، وصاروا كعرابٍ لبلدية الاحتلال وبرامجها من خلال قنوات رسمية ومواقع ترويجية لأنشطتهم وبرامجهم، في خطوة لتسريع العلاقة ما بين بلدية المحتل وبرامجها، والمجتمع الفلسطيني المقدسي، وليتحولَ العمل الجماهيري لعمل طبيعيٍ لا مشكلة فيه كما في الداخل المحتل منذ العام 1948. ومع الأسف تجدهم ينشرون هذه الإنجازات كأنها باتت طبيعية وبعض التعليقات تؤيدهم في ذلك كأنهم أبطال حقيقيون يقدمون ما فيه منفعة أطفالنا ومجتمعنا المقدسي لا العكس.

سيأتي البعض ويقول لنا “طيب، إنتو شو قدمتوا لأطفالنا بديلاً لهم؟”
سأقول لكم: هنالك العديد من البرامج الفلسطينية في المدينة تعالوا وسجلوا فيها، الإمكانيات مختلفة لبعض البرامج نعم هذا صحيح، وتجدون أيضاً برامجَ أكثر احترافية ورفاهية في مؤسسات فلسطينية.

مع التأكيد بأننا عشنا لسنوات طويلة دون برامج الاحتلال في مدينة القدس، ولم تتوقف عجلة الحياة وكنا نحافظ على أبنائنا وأطفالنا من العيش في هذه الصراعات التي يعاصرونها اليوم والتي تتعلق بالهوية بالدرجة الأولى. ولا ننسى بأن بلدية الاحتلال والقائمين على برامجها هم من قاموا بسرقة العديد من موظفي المؤسسات الفلسطينية واستمالتهم لتطوير هذه البرامج من خلال الماديات المقدمة لهم.

“طيب كيف سرقوهم منكم؟”
بسيطة!! الإمكانيات المادية لدينا تختلف عن الإمكانيات لديهم، وهذا طبيعي جداً! والمعززات والمدخرات وما يُقدَّم لهم مختلف جداً والاستمرارية من أهمها، بينما نحن نعيش على ميزانياتٍ متقطعةٍ من صناديق عربية وأوروبية تعطَّلَ معظمها بعد الإجراءات الخاصة بشروط التوقيع الجديدة التي حاولوا فرضها علينا.

“طيب ما إنتو بجيكم دعم كمان؟”
صحيح! ولكنّ حجم الدعم المقدّم لدينا لا يقارنُ بما تقدّمه بلدية الاحتلال. عندما تسمع مبلغ 14 مليار شيقل لتطوير التعليم والبرامج اللامنهجية في شرقي القدس في المدارس كخطةٍ واضحة من قبل بلدية الاحتلال ولعدة سنوات محددة، فأنت هنا تستطيع أن تقارنها بميزانية إحدى الدول العربية! وهذا ما استوقفني في خبرٍ قديم يقول بأن ميزانية بلدية الاحتلال في مدينة القدس للتهويد خلال العام 2014 كانت أكبر من ميزانية دولتين عربيتيْن.
عندما نسمع الأرقام نتوقف!!! أرقام الميزانيات التي هي بمليارات الشواقل للتعليم في شرقي القدس وللمراكز الجماهيرية وبرامج التعايش، وتقول لي لماذا الخدمات مختلفة وأفضل؟ وهو سبب نزوح عددٍ من الشباب المقدسي للعمل في هذه المراكز بسبب الإمكانيات والماديات والاستمرارية وعروض نهاية الخدمة وما يرافقها من حقوق وامتيازات … وهو صحيح ولكنهم يبقون قلة يريدون أن يجمِّلوا الصورة فقط، والجزء الأكبر منهم والذين نثق بهم سيبقون على الدرب وعلى الرسالة الصامدة التي لن تتغير. ولولا هذه القلة لما وجدت هذه البرامج ولا نُفّذت، ونسأل الله أن لا تتكاثر في ظل الانبطاح العربي الإسرائيلي الذي جعلَ من دولة الاحتلال مركزاً للديمقراطية والحرية والعلم في الشرق الأوسط مع الأسف.

لكل طفل مشروع
نعم لكلِّ طفل مشروع… هذا ما وصلت له برامج الاحتلال والميزانيات المقدمة لدرجة أنهم طوّروا برامج لكل طفل بهدف الاستقطاب والجذب والتعايش، فإذا أحبَّ طفلك رياضة ركوب الأمواج مثلاً… سيتم إرسال سيارة خاصة لأخذه مع تقديم المعدات وممارسة الرياضة على شاطئ يافا مع خيرة المدربين والأطفال، ولكن من أقرانه الإسرائيليين!… نعم هذه الميزانيات المقدمة ووصلت لهذا المستوى!!!

المراكز الجماهيرية
إن مراكز الشبيبة التي أطلقتها بلدية الاحتلال في مدينة القدس بعدّة مسميات وبرامج ومشاريع جديدة هي خطوات واضحة للبديل الاحتلالي في المدينة لتغطية هذا القطاع الذي بات هو القطاع الوحيد الذي لم يتم السيطرة عليه بالكامل من قبل المحتل وبلديته في مدينة القدس.

فبعد أن تمت السيطرة بالكامل على الصحة والاقتصاد والتعليم ومركز المدينة والسياحة وغيرها، بات القطاع الشبابي هو الأصعب أو الأكثر صعوبةً بالهيمنة والسيطرة عليه، وبشكلٍ خاص في ظلِّ وجود أكثر من 60 نادياً ومؤسسة شبابية فلسطينية مقدسية، جميعها بقيت صامدةً في وجه إغراءات الاحتلال، وتعمل وتجتهد لتحافظَ على الشباب المقدسي بالإمكانيات المتوفرة لها وبالدعم المتاح والواضح بعدّة ممولين بقوا يقدمون لها ولو القليل، أمام الشلال المقدَّم من قبل الاحتلال وجميع أذرعه داخل المدينة.

بعض الأندية المقدسية تقاوم وتقاتل وحدها منذ عشرات السنوات من أجل البقاء والصمود في وجه المراكز الجماهيرية التي أسست على أراضيها، هذه الأندية تحتاج منا الوقوف والمساندة الحقيقية لها، فهي تقاتل لتبقى وتواجه لتصمد وتعمل لتكون دوماً بهويتها الفلسطينية الواضحة. هذه المراكز تعيش اليوم حالةً من الحرب الداخلية المستمرّة، وتحاول أن تجد الميزانيات المختلفة لتبقى، اليوم هي صامدة بصمود من فيها وتحتاجنا جميعاً لتبقى وتصمد أكثر.

مراكز كبار السن.. داخل المراكز الجماهيرية
في الفترة الأخيرة باتت تحدثني والدتي يومياً عن البرامج التي تُقدَّم لنساء الحي في المركز الجماهيري في واد الجوز من خدماتٍ مختلفة يومية، إفطار صباحي، برامج تعليمية للمسنين ورياضة صباحية ورحلات ترفيهية وغيرها الكثير، وأقول هنا: هذه مراكز ترفيهية لكبار السن عملَ عليها المحتل باحتراف وبميزانيةٍ واضحة ولا منافس لا على الصعيد الفلسطيني، وهذا أيضاً واضح في مدينة القدس وضواحيها، وأقول: علينا إيجاد البديل وفقط إيجاد البديل…

الهوية الفلسطينية باقية ومتجددة
رغم جميع هذه المحاولات ستبقى الهوية الفلسطينية ونقاط الصراع واضحةَ المعالم ما بين ما هو فلسطينيٌّ عربيّ في مدينة القدس، وما هو إسرائيليٌ تهويديّ في المدينة، بل ستجد بأن بعض أطفالنا يعلمون بأنهم يشاركون في برامج تابعة لبلدية الاحتلال ويريدون الاستفادة منها فقط والمضي بعدها بهدف الاستفادة، هذا مبرّر البعض… والبعض الآخر لا يعلمون شيئاً ويجدون بعض الأسماء المعروفة لهم تنفّذ هذه البرامج وتحاول أن تبرر بأنها تنفّذ بعيداً عن رؤية المحتل وهذا صحيح لدى البعض، ولكن بالنهاية إن خرجت عن النص سيتم فصلك أو طردك وإنهاء تعاقدك… فلا تبرّر ولا تحاول أن تقول بأنك موظفٌ تحاول العمل من أجل الرزق فقط!!!

“طيب شو الفرق بين المدرسين في مدارس البلدية وبرامج المراكز الجماهيرية؟”
إخواني التعليم حقٌ واضحٌ لكلّ طفل فلسطيني يعيش في مدينة القدس تحت الاحتلال الإسرائيلي منذ العام 1967 وحتى يومنا هذا، والخدمات التي تتعلّق بالتعليم والصحة بأشكالها من نظافة وخدمات في المناطق الفلسطينية المحتلة بالتحديد، هنالك إجماع وطني فلسطيني بأنها خدمات يجب أن تُقدّم من قبل المحتل، عوضاً على أن المدرسين الذين يدرسون ضمن مناهج البلدية غالبيتهم يدرسون المنهاج الفلسطيني حتى يومنا هذا، وقلة من دخلت ضمن إطار المنهاج الإسرائيلي الجديد ورسائلهم كمعلمين وصلت للكون.

وفي الختام نقول: نحن لا نزاود على أحد ولا نريد أن نجرّم أحد، وإنما نريد أن يصحو من غفلتهم من نسوا أنفسهم واعتقدوا بأنهم على صواب في ظل ضياع الحق، واختلاف وجهات النظر ما بين الصواب والخطأ الواضحين وضوح الشمس في مدينة تعزّي نفسها بفقدان كبارها ومن يقودونها بصدقٍ نحو الصواب. إخواني راجعوا أنفسكم والطريق مفتوحة لكم لتكونوا في إطار عملٍ فلسطينيّ واضح في المدينة … نحن وكثر غيرنا كنا قد استطعنا الحصول على عروض خرافية للعمل في برامج الاحتلال، ولكنَّنا فضّلنا القليلَ الدائم على الكثير المنقطع المغموس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى