كعك الرازم.. صراعٌ من أجل البقاء

القدس المحتلة – القسطل : من على مسافة بعيدة، يستطيع الزائر لحارة السعدية، وهي واحدة من حارات البلدة القديمة في القدس المحتلة، أن يشُم رائحة الكعك التي تفوح من فرن الرازم، الذي يعد واحدًا من أقدم الأفران التقليدية الـ 27 في المدينة.

الخامسة فجرًا، يقصد المقدسي رجب الرازم فرنه الذي يزيد عمره على مئة عام؛ ليعدّ العجين ويقطّعه ويخبزه، حتى إذا ما جاء الصباح، توافد المقدسيون لشراء الكعك الذي اقترن اسمه بمدينة القدس، حتى بات يُعرف عند عموم الفلسطينيين في الضفة وغزة وحتى الشتات بـ “كعك القدس”، كعلامة مسجلة.

ويرى الفلسطينيون أيضًا أن الكعك الذي يُصنع في مدينة القدس، خاصة في البلدة القديمة منها، لا يضاهيه أي كعك يُصنع في مكان آخر، ويرجع الرازم السبب إلى كون أفران القدس القديمة ما زالت تخبز على الطريقة التقليدية القديمة التي توارثها الأجيال، ما جعل الكعك يحافظ على مذاقه ونكهته.

يقول رجب الرازم (53 عامًا) لـ”القسطل” إن الفرن كان يعمل على “الجفت” واليوم يعمل على حطب الزيتون والحمضيات، وذلك يعطي الكعك نكهة مختلفة عن الذي يتم خبزه في الأفران الكهربائية الحديثة. ويضيف “ما زلت متمسكًا بما تعلمته من والدي وجدي، لا أستخدم سوى آلة العجانة لأنني اضطر لعمل كميات كبيرة من الكعك يوميًا، وما تبقى عمل يدوي”.

الرازم الذي ورث المهنة عن والده وجده، بدأ العمل بها قبل 37 عامًا، وأجبر ثلاثة من أولاده على العمل معه، لأنه يعتبر وجودهم فيه نوع من الرباط، وحماية للفرن من أن يكون فريسةً لأطماع المستوطنين، خاصة وأن معظم أفران القدس القديمة أُغلقت لأسباب عديدة، من بينها أن معظم الشبان المقدسيين باتوا يعملون خارج البلدة القديمة بسبب إجراءات الاحتلال، والرزق القليل.

لا تتوانى سلطات الاحتلال الإسرائيلي عن ممارسة كل ما من شأنه تنغيص حياة الرازم، ودائمًا ما يوقفه أفراد شرطتها ويحققون معه “وين رايح؟”، “من وين جاي؟”، ولا يقف الأمر هنا، بل يفرض الاحتلال ضرائب باهظة على الفرن رغم محدودية الدخل، وإذا أراد رجب تجديد رخصته، فإن ذلك يتطلب إجراءات معقّدة.

يؤكد الرازم لـ”القسطل” أن شرطة الاحتلال تدّعي بأن الفرن قديم ويجب تجديده ليصبح كالمخابز الحديثة، وألا يبقى يعمل على الحطب بدعوى أنه يضر بحياة الناس، لكن المواطن المقدسي يعرف الاحتلال وأساليبه، حيث يعلم رجب أن كل هذه الإجراءات هدفها تنغيص حياته، ودفعه لترك الفرن، لتسهيل وصول الممتلكات المقدسية للمستوطنين، حيث يؤكد “لا يمكن أن أقوم بتحويل الفرن وجعله على الطراز الحديث، لأن الكعك بالتأكيد سيفقد رونقه ونكهته”.

يقول الرازم إنهم يأتون بين الفينة والأخرى إلى الفرن فجأة ويفتشونه، وأحياناً يحررون مخالفات له لمجرد تحريرها، لا لسبب وجيه، كما أنه يُحظر عليه وعائلته وموظفيه العمل في الفرن بعد الساعة السادسة، ويقول “لا نفهم السبب”.

 

انتشار جائحة “كورونا”، وإجراءات الإغلاق، وممارسات الاحتلال، أثرت على إنتاج رجب الرازم للكعك، حيث قلّ من 400 كعكة يوميًا، إلى 150، ناهيك عن حصار المدينة ومنع الفلسطينيين من باقي مدن الضفة من الوصول إلى القدس.

يرفض المقدسي رجب الرازم إدخال أي أنواع أخرى من المخبوزات على الفرن، لأنه يكرّس جل وقته فقط لـ”كعك القدس”، ويقول “إذا عملت في أصناف أخرى من المخبوزات سواء المعجنات أو غيرها، فإن جودة الكعك ستتراجع، لأنني سأضطر حينها لإشغال وقتي والاهتمام بكل الأصناف، وأنا أريد المحافظة على كعك القدس فقط”.

هيئة التحرير

هيئة التحرير والإشراف على موقع القسطل
زر الذهاب إلى الأعلى