كيف يمكن أن نفهم ما يجري في القدس والضفة الغربية؟

يتعامل الإعلام مع الحدث بوصفه خبرا راهنا، فإن تكثّفت الأحداث في سياق واحد جامع يقدّمه الإعلام كذلك بوصفه خبرا راهنا يتحدّث عن جملة حوادث.

المشكلة في ذلك، في رصد الحوادث الكبيرة، ذات الدلالة على التحوّلات السياسيّة والاجتماعيّة وكأنها أخبار طارئة منبتّة عن السياق الأوسع الذي تدلّ عليه من جهة وتوسّعه وتمدّه من جهة أخرى.

ومثال ذلك كثافة الحالة النضالية في الضفّة الغربيّة بما فيها القدس، وينبغي الإشارة إلى كون الكثافة نسبيّة، أي بالقياس إلى مراحل أخرى، لا أنّها مطلقة.

أضرب لذلك مثلا، منذ بضع سنوات، وتحديدا منذ العام 2014، والإعلام، بما في ذلك الفلسطينيّ منه، يسألني كلّما وقعت في الضفّة الغربية حوادث متصلة بمقاومة الاستعمار الصهيوني، عن دلالة تلك الحوادث، بلهجة تنظر إلى هذه الحوادث وكأنّها جديدة، أو طفرة لا سوابق لها، ثمّ تخشى هذه اللهجة، إن كانت متعاطفة مع المقاومة؛ ألا يكون لواحق لها.

وكنت أضطر دائما للتذكير بأنّه لا جديد من الناحية الجوهريّة، سوى في الدلالة على استمرار الحالة الكفاحية، المنفتحة منذ بضع سنوات، غير أنّ الإرادة النضالية باتت تجد أسبابا إضافيّة ومتجدّدة لتمضي أكثر إلى الأمام.

فإذا نظرنا إلى ما يجري بوصفه تجلّيات لحالة مستمرّة ومفتوحة، وأخذناه في بعده التاريخي المذكور، وفي سياقه المولِّد له، مع ملاحظة كلّ الظروف الموضوعيّة الدافعة والمعيقة، فسوف نفهم مآلات الأحداث المتجدّدة بواقعية أكثر، ودون أن نحمّل الأحداث فوق طاقتها من الآمال، ودون أن نحمّل الهدوء الذي يقطع بينها ما لا يدلّ عليه من خيبة الآمال.

لماذا منذ العام 2014؟

لأنّ المرحلة من 2007 وحتى 2014، كانت مرحلة قائمة بذاتها منفصلة عن المرحلة الجارية، فقد خرج الفلسطينيون منهكين من الانتفاضة الثانية، التي احتفظت ببعض الذيول والمظاهر حتّى العام 2007، ثم خرج الفلسطينيون محبطين من الانقسام الفلسطيني، الذي التبست صورته بشدّة عليهم في الضفّة الغربيّة.

بالتغطّي بهذا الانقسام فُرِضت سياسات، لم تهدف إلى تحطيم الخصم السياسي ممثلا في حركة حماس فحسب، بل إلى تجريف الحالة الوطنية عموما، وأُسندت هذه السياسات بجملة عناصر متضافرة، اقتصادية وثقافية واجتماعية وأمنية، فيما نُسمّيه بـ”هندسة المجتمع الفلسطيني”، وتدخَّلَ الاحتلال في ذلك، فيما يسمّيه بـ”السلام الاقتصادي”، مع استمراره في سياسة “جزّ العشب” الأمنية، التي تبني على عملية “السور الواقي” في العام 2002، وتستفيد من المراكمة الأمنية الهائلة، التي أخذ يطوّرها منذ انتفاضة الأقصى، سواء في أدوات الرقابة التقنية، أم في البنية التحتية الاستعمارية التي تهدف من جهة إلى استكمال المشروع الاستيطاني وإحكامه، ومن جهة أخرى إلى الضبط التام للحركة الفيزيائية للفلسطينيين.

هذا الجهد المزدوج وَسَمَ تلك المرحلة بالهدوء الذي يقارب التمام، والذي يستفيد من الاستنزاف المسبق للفصائل الفلسطينية، التي ما إن تعافت قليلا في انتفاضة الأقصى بعد سنوات أوسلو (1994- 2000)، حتّى صبّت كادرها الأساس وصفّها الأوّل في تلك الانتفاضة، لتدهمها عملية “السور الواقي”، ثم سياسات ما بعد الانقسام، التي كانت مثابرة ومروّعة بحق حماس أولا، دون أن تتمكّن (الفصائل) من مواجهة الحملة، وتاليا دون أن تتمكّن من توسيع قاعدتها التنظيمية لاستيعاب الضربات، ودون أن تتمكّن من التحايل على المنظومة الأمنية الهائلة تطوّرا وانتشارا.
أيُّ تصاعد ملحوظ في العمل المقاوم، يحتفظ بقدر من الاستمرارية، ولو متقطّعا، وبما يخالف النمط الذي ساد في مرحلة الهدوء شبه التامّ التي سبقت العام 2014، يعني أننا أمام مرحلة جديدة لاختلاف سمات هذه المرحلة عمّا سبقتها

لماذا اختلف الأمر من بعد العام 2014؟

أيُّ تصاعد ملحوظ في العمل المقاوم، يحتفظ بقدر من الاستمرارية، ولو متقطّعا، وبما يخالف النمط الذي ساد في مرحلة الهدوء شبه التامّ التي سبقت العام 2014، يعني أننا أمام مرحلة جديدة لاختلاف سمات هذه المرحلة عمّا سبقتها.

ولحجم المعيقات الموضوعيّة، وأثر سياسات الهندسة الاجتماعية طوال سبع سنوات، ومفاعيل حملات التفكيك المستمرة بلا توقف، لا منذ نهاية انتفاضة الأقصى، بل منذ نهاية الانتفاضة الأولى، فينبغي التوقّع أنّ مرحلة اليقظة ستكون بطيئة، متفاعلة بحذر ضمنيّ، لا ينمّ عن حجم المعيقات وأثر الهندسة فحسب، بل وذكاء فطري عامّ يراعي احتياجات هذه المرحلة.

برصد سريع، سوف تُلاحَظ جملة حوادث ضخمة كانت تُسلِم لبعضها، فأسر مجموعة من حركة حماس في مدينة الخليل لثلاثة مستوطنين في حزيران/ يونيو 2014، أطلق حملة أمنية واسعة طالت الضفّة الغربية كلّها، صعّدت من ممكنات الاحتكاك الشعبي بالاحتلال، تخللتها في تموز/ يوليو هبّة الطفل “محمد أبو خضير”، من حيّ شعفاط بالقدس، والذي اختطفه وأحرقه مستوطنون حتى الموت، لتنتقل المواجهة إلى قطاع غزّة في الشهر نفسه في العدوان الصهيوني الكبير الذي لاقته مقاومة ملحميّة، ألقت بظلالها التعبويّة على الفلسطينيين في الضفّة الغربية والقدس، بما تجلّى لاحقا في “هبّة القدس” في تشرين الأول/ أكتوبر 2015، بعد عمليّة منظّمة لحماس عُرفت بعملية (إيتمار/ بيت فوريك)، ثم عمليّة مهند الحلبي ذي الصلة التنظيميّة بحركة الجهاد الإسلاميّ، لتمتدّ هذه الهبّة بأنماط نضاليّة متنوّعة للأمام.

منذ ذلك التاريخ، لم تنقطع الحالة الكفاحيّة، فقد استمرّت محاولات العمل المنظّم، والمحاولات الذاتيّة الفرديّة، وتخللتها سلسلة هبّات في القدس: هبّة البوابات الإلكترونية في 2017، وهبّة باب الرحمة 2019، ثمّ الهبّة المتدرّجة في 2021 من باب العمود وحيّ الشيخ جراح إلى المسجد الأقصى امتدادا إلى كلّ فلسطين، وصولا إلى ملحميّة “معركة القدس” المفصليّة، والتي انتصبت بدورها من جديد رافعة معنويّة للفلسطينيين في الضفّة الغربيّة والقدس، ومن ثم لتتكثّف المشهديّة النضاليّة، لا من حيث الفعل النضاليّ الفلسطينيّ فحسب (والذي منه عمليات منظّمة وذاتيّة فرديّة متتاليّة، ومقاومة شعبيّة جماعيّة ضدّ المستوطنين، وبؤر متمرّدة، وعودة ظاهرة المطاردين، ونشاطات تنظيميّة تقليديّة تتحدّى الحالة الأمنيّة التي سادت طويلا)، بل أيضا في التحفّز الأمنيّ الشرس المقابل لذلك الفعل بهدف ضربه واستيعابه وتفكيكه، فتحفّز الطرف المقابل، يكشف عن وعيه بحقيقة التحوّل والمآلات في حال استمراره.

ثمّة أساس بدهي يجب البناء عليه لفهم هذا التحوّل النسبيّ والبطيء، وهو أنه لا يمكن أن يطول عهد الفلسطينيين دون مقاومة الاحتلال. ومقاومات الفلسطينيين، لظروف فلسطين المتسمة بضيق الجغرافيا ومناوءة التضاريس وقلّة عدد السكان النسبيّ وتفوّق العدوّ وانعدام الظهير الخلفيّ، تتّسم بالتمدّد والانحسار فالانبعاث مجدّدا.
هذه المرحلة فتتداخل فيها المحاولات المنظّمة مع المحاولات الفرديّة، إلا أنها لا تفضي إلى فعل ظاهر الشِدّة، ولكن إلى أعمال كثيرة ومتنوّعة، حتى لو كانت أقلّ شدّة، ولكنّها قد تكون الأنسب

بعد الانطلاق من هذا الأساس البدهيّ، تأتي جملة عوامل وشروط موضوعية تخلق التحوّلات، منها ما ذُكِر، ومنها ما يمكن تلخيصه آنيّا بعناصر التفجير المستمرّة: القدس والمسجد الأقصى والأسرى وتعاظم التهديد الاستيطاني البشري، وكلما اجتمعت هذه العناصر في وقت واحد تضاعفت الدوافع. وبالإضافة إلى حالة التعبئة الدائمة التي تشكّلها المقاوة في غزة، تأتي سياسات السلطة وانحسار شعبيتها وكفّها عن القدرة على الوعد السياسي أو الاقتصادي.

والحاصل أنّنا أمام حالة مقاومة، أوسع وأكبر ممّا كانت عليه المقاومة المنظّمة التي تصدّرتها حركتا حماس والجهاد الإسلامي، ما بين العام 1994 وحتى العام 2000، تلك المرحلة اتسمت بالعمليات المنظمة المتفرّقة، والتي كان بعضها بالغ الشدّة. أما هذه المرحلة فتتداخل فيها المحاولات المنظّمة مع المحاولات الفرديّة، إلا أنها لا تفضي إلى فعل ظاهر الشِدّة، ولكن إلى أعمال كثيرة ومتنوّعة، حتى لو كانت أقلّ شدّة، ولكنّها قد تكون الأنسب على طريق توسّع أطرها الشعبيّة، في حال توفّرت الشروط الموضوعيّة، وهو ما يتطلّب حالة منظّمة متأهّبة، بحيث ينبغي على الفصائل الفلسطينية أن تعيد النظر في تجربتها الماضيّة لتتجاوز ما يجعلها بعد غير قادرة على التعافي اللازم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى