أقلام القدس

باب العامود.. باب مدينتنا الذي لن يكون لغيرنا!


في 2020/10/18 وضعت سلطات الاحتلال عند باب العامود لافتة تحمل اسم “مدرج هدار وفهداس” لتعيد تسمية الميدان نسبة إلى مجنّدتين من حرس الحدود قتلتا في عمليتين من عمليات انتفاضة القدس في عامي 2016 و2017. عبرنة أسماء شوارع القدس وساحاتها وحاراتها سياسة قديمة للاحتلال تهدف إلى إعادة تعريف تاريخ المدينة العربي والإسلامي، ولفرض تعريفات جديدة للأمكنة ترتبط بالاحتلال وتجعله محور ذاكرة المكان والزمان.

بعد انطلاق انتفاضة القدس في عام 2015، وتحت ذريعة العمليات التي نفذت في منطقة باب العامود، وتجاوزت الثلاثين حتى عام 2017 وفق تصريحات قادة الاحتلال، أطلقت سلطات الاحتلال عمليّة حثيثة لتهويد المكان تحت عنوان أمني، فعزّزت الوجود الشرطي ونقاط التفتيش، والحواجز، وأقامت أبراج مراقبة لإبقاء المنطقة وروّادها في دائرة الرصد. وعمدت كذلك إلى قطع الأشجار المحيطة بالباب تحت ذريعة أمنية، وعزّزت كاميرات المراقبة الموجودة سابقًا بأخرى جديدة ليكون كلّ باب العامود وساحته تحت عين أجهزتها الأمنيّة.

عسكرة باب العامود كانت برعاية رئيس حكومة الاحتلال الذي قال، في عام 2017، إنّ المكان “بات رمزًا للإرهاب، وفي الوقت ذاته أصبح رمزًا للعمل على دحر الإرهاب ومكافحته”، مشيرًا إلى خطة ستنفّذ لتعزيز الأمن في المكان. أما جلعاد إردان، وزير الأمن الداخلي في حكومة الاحتلال في ذلك الحين، فتحدّث عن خطّة تؤدّي إلى تغيير غير مسبوق في نظام الأمن المتبّع في باب العامود، وتعتمد على جملة أمور من بينها تغييرات فيزيائية في ملامح المنطقة.

لكن هذه ليست بداية التهويد في باب العامود، وإن اتّخذ الاحتلال انتفاضة القدس ذريعة لتعزيز التهويد في باب العامود تحت مسمّى أمني. قبل التهويد الأمني، عملت سلطات الاحتلال على تشويه باب العامود في إطار مشروع ترميم أسوار القدس الذي بدأته عام 2007 وتنقلت رحاله على أبواب القدس المختلفة إلى أن حطّت عام 2011 عند باب العامود؛ ووفق الشيخ عكرمة صبري فإنّ سلطات الاحتلال تستغل ما تسمّيه الترميم لتغيير الوعي الاجتماعي وتشكيل وهم بأنّ سور القدس له علاقة بالتاريخ اليهودي القديم.

علاوة على ذلك، يتّخذ الاحتلال ومستوطنوه من باب العامود، وهو الباب الرئيس المؤدي إلى القدس العتيقة، محطّة للفعاليات التهويدية، من “مهرجان الأنوار” وثقل ظلاله التي تلقيها عروض الضوء على سور القدس مرورًا بباب العامود، إلى “مسيرة الأعلام” التي يقوم بها المستوطنون في إطار الاحتفال باستكمال احتلال القدس، وهي مسيرة استفزازية تنطلق من مقبرة مأمن الله غرب البلدة القديمة ثمّ تمرّ عبر باب العامود وصولاً إلى ساحة البراق من دون أن تخلو من اعتداء المستوطنين وقوات الاحتلال على المقدسيين الذين يتجمّعون للتصدّي لها.

يرى الاحتلال في باب العامود عدوًا يسعى إلى ترويضه وتجريده من رمزيّته، وفصل المقدسيين عنه بعدما بات يشكّل مركز حياتهم الاجتماعية والثقافية وميدانًا لمختلف الفعاليات والأنشطة، ومنها مهرجان “بسطة فرح” للأطفال وفعالية “سلسلة القراءة” التي شكلت أطول سلسلة بشرية حول سور القدس مرورًا بباب العمود. وباب العامود هو أيضًا ميدان نشاط سياسي، من التظاهرات في ذكرى النكبة والنكسة، ووقفات التضامن مع الأسرى والشهداء، والتظاهرة الاحتجاجية الرافضة لإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب القدس عاصمة لدولة الاحتلال، وهو في ذلك امتداد للفعل السياسي الذي شهدته ساحة باب العامود تاريخيًا كالتظاهرة الرافضة لنشاط الحركة الصهيونيّة في فلسطين والدعم البريطاني لها في عام 1920.

في ذاكرة المقدسيين القريبة، باب العمود هو باب الشهداء وما تفعله سلطات الاحتلال هو محاولة القفز عن هذه الذاكرة ومحوها عبر لافتة “تخلّد” ذكرى مستوطنتين بفرض اسميهما مكان “باب الشهداء”، ليكون ذلك ترجمة للفعل الاستعماري الذي يمعن في نبذ الفعل المقاوم، فيحاول أن ينسينا اسم الشهيد لنحفظ بدلاً منه اسم جنود الاحتلال ومستوطنيه بعد أن يسمّي الأماكن باسمهم. لكن هل سننسى مهند الحلبي الذي مرّ من باب العامود لينفذ عمليته التي كانت فاتحة انتفاضة القدس؟ أم هل سننسى محمد سعيد محمد علي الذي هاجم جنود الاحتلال بالسكين، بعد عملية مهند بأيام، من درجات باب العامود؟ هل سننسى من لحقوا بهم واختاروا باب العامود كأقرب طريق إلى قلب القدس؟

رفعت سلطات الاحتلال اللافتة الجديدة وقد أسقطت من حساباتها أنّ باب العامود ليس مجرّد مكان، وأنّ العمليات التي نفّذت عنده كانت ردًا على مشاريع التهويد التي أعملت معاولها في القدس من بابها إلى محرابها، وهي عمليات كانت إحدى رسائلها أنّ “باب العامود هو باب مدينتنا، ولن يكون لغيرنا”!.

الوسوم
%d bloggers like this: