أقلام القدس

الأقصى واقتحامات صهاينة العرب

“اتفاق أبراهام”؛ هكذا أراده الأمريكان والصهاينة، فالمفاوض العربي ليس مشهوراً بثباته وشدة بأسه، فضلاً عن أن هذا الاتفاق تحديداً هو أقرب إلى تحالف يُدخل حكام الإمارات جزءاً مكملاً لليمين الصهيوني الحاكم في الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، وليس اتفاق سلامٍ بين طرفين متقابلين؛ هو أقرب إلى اصطفاف في محورٍ واحد يريد أن يوحّد الرؤى والمصالح لا أن يقرب بين وجهات نظرٍ متباعدة.

لم تأتِ التسمية عبثاً، فالمطلب الديني الذي يريده الكيان الصهيوني والأمريكان على رأس القائمة هو تهويد الأقصى، ومن يقرأ الاتفاق لن يجد فيه أي محتوىً ديني يُبرّر تلك التسمية سوى ما تعلق بتهويد الأقصى. لم يجرؤ طرفٌ عربي على إعلان تقديم خدماتٍ في الأقصى قبل ذلك، كان الجميع يخشى أن مثل هذه الخدمات المعلنة يمكن أن تُحرق صاحبها، لكن القيادة الإماراتية الحالية اختارت أن تُظهر للصهاينة والأمريكان استثنائيتها من هذه الزاوية تحديداً، بأنها تقدم على ما لم يتصوروا أن أحداً يقدم عليه، فهي لا تبحث عن مجرد السلام بل عن التحالف.

في صفقة القرن يتفاخر مستشارو نتنياهو أن النص المتعلق بالقدس نزل في الوثيقة كما صاغوه تقريباً، فاعتبرت الصفقةُ الأقصى تحت الرعاية الدينية للكيان الصهيوني بشكل نهائي، وحاولت تعريف المقدس الإسلامي بأنه المسجد القبلي فقط، وأن تعرف الساحات داخل الأسوار باسم “جبل الهيكل/ حرم الشريف” باعتبارها شيئاً مختلفاً، وقررت أنها يجب أن تكون مفتوحة “للناس من كل الأديان”، وأنها يجب أن تكون مساحة عبادة مفتوحة للديانات الثلاث والهدف طبعاً أن تكون لليهود إلى جانب المسلمين، كما كرست التقسيم الزماني والمكاني وفتحت الباب موارباً لمخططات أخرى قد تستجد.

اتفاق أبراهام جاء نسخة عن ذلك لكن بموافقة ومساهمة طرفٍ عربي ينتمي إلى الإسلام هي الحكومة الإماراتية، قرر فيها صهاينة العرب أنهم يقبلون التعريف الصهيوني للأقصى بأنه المسجد القبلي فقط، وأن ساحات الأقصى مشتركة لجميع الديانات، وأن السيادة الشرعية النهائية على الأقصى هي للكيان الصهيوني، بل ومضوا خطوة إلى الأمام في وضع شروط على طبيعة المسلمين الذين يحق لهم الدخول للأقصى، وهم “المصلون السلميون” فقط، فبات بذلك اعتقال المرابطين وإبعادهم ممارسة شرعية من سلطة شرعية، وربما تفتح الباب لتعريف جديد تماماً للمصلي المسلم في أحلام من يصيغون كل تلك النصوص.

في التطبيق تأتي اقتحامات صهاينة العرب لتكرّس ذلك: فهي تحت حماية شرطة الاحتلال وبالترتيب معها لتكرّسها سلطةً شرعيةً على الأقصى، وهي تتم في ظل الاقتحامات الصهيونية ورغم أداء الطقوس اليهودية في الأقصى لتقول بأنها طبيعية وبأن هناك طرف عربي يعلن بأنه مسلمٌ يقبلها، وهي ترسم صورة المصلي القادم من البوابة الصهيونية باعتباره “السلمي”، ولو كان لصهاينة العرب عدد يكفي لفتحوا بذلك الباب لتكريس أن الداخل للأقصى عبر بوابة الاحتلال هو وحده المسموح له بالصلاة من الأساس.

صهاينة العرب يلعبون لعبة خبيثة ذات حدين: فإذا ما مرت اقتحاماتهم دون الطرد والإهانة والمواجهة التي تستحقها يكونون قد منحوا للصهاينة خدمة إضفاء المشروعية على سلطتهم على الأقصى وعلى الاقتحامات وعلى أداء الشعائر اليهودية باعتبارها ممارسات مقبولة، أو على الأقل جعل قبولها محل خلاف عربي وإسلامي؛ وإذا ما طُردوا ولقوا ما يستحقون من معاملة فسيستخدمون ذلك لمطالبة الحكومة الصهيونية بحمايتهم فيؤدون لها الخدمة ذاتها من زاوية أخرى؛ ونرجو أن لا تخرج علينا آراء تتصنع الحكمة و”الفهلوة” السياسية التي بات بعضٌ منا يحترفها كلما لاح تحدٍّ يعالج بالثبات والصمود، فيطالب بعدم طردهم لتفويت الفرصة على مطالبهم للاحتلال بحمايتهم، فيُسهّل بذلك لسيفهم أن يقطع بحده الثاني تجنباً لحدّه الأول.

إن اقتحامات صهاينة العرب للأقصى ليست زيارات ولا حتى زيارات تطبيعية، وهي ليست ممارسة للحق في الصلاة، بل هي استخدام للهوية الإسلامية ولشعيرة الصلاة لفرض تغيير هوية الأقصى على جميع المسلمين، وهي عملٌ عدائي بامتياز نخطئ كثيراً إن تلعثمنا أمامه أو احترنا، هذه ممارسة صهيونية من صهاينة جدد، وتنبغي مواجهته بكل السبل الممكنة كما يستحق المقتحم الصهيوني تماماً، وأن لا ننجرّ إلى فتح نقاشٍ معهم. لا حجة ولا برهان ولا إقناع؛ اقتحام الصهاينة للأقصى ليس وجهة نظر، اقتحام صهاينة العرب للأقصى عدوان يجب أن يلقى الرد الذي يستحق، ولا شيء سوى ذلك.

أخيراً،

فلا بد من التنبه إلى أن اقتحامات صهاينة العرب تفتقد إلى العمق الشعبي البشري، وهي غير قابلة لأن تتحول إلى ظاهرة بشرية كاسحة كما يحاول بعض المسؤولين الصهاينة أن يهولوا، وهي تأتي حتى الآن من موظفين رسميين وليست زيارات شعبية بأي حال. ستصطدم هذه الوفود بحاجز المحدودية البشرية مرة بعد مرة، ولن يكون أمامها إلا دفع المال وشراء الذمم لتأتي بمقتحمين جدد، وهنا تكون فرص نجاح السلاح المقدسي الحالي في مواجهتها أكيدة.

إذا ما استمرت هذه الوفود في تلقي الطرد والإهانة والمعاملة بأنها اقتحامات لها ثمنٌ مرةً بعد مرة؛ فستكون مواصلتها مستحيلة، وستتحول مع الصبر والصمود والثبات من نجاح صهيوني في تحقيق اختراق إلى إخفاق لصهاينة اليهود والأمريكان والعرب معاً في مواجهة المقدس الإسلامي، وفي مواجهة قيمته العليا القادرة على استجماع القوة من حولها مرة بعد مرة، وفي مواجهة الإيمان الكامن في النفوس كقوة قادرة على التجدد في أمةٍ صاغ النص القرآني قيامتها وتجددها مرةً تلو المرة.

الوسوم
%d bloggers like this: