حارسة القبر

“لن تقتلوا ابني مرتين”، هذا ما قالته علا نبابتة على رأس شاهد رفات ابنها علاء، تحيطه بيديها كما أحاطته مرّةًّ في مهده، بعد أن صعّدت قوات الاحتلال من عمليات التجريف الانتقامي والمسح الهمجي  لقبور اليوسفية في البلدة القديمة؛ التي تُعد حاضناً لآلاف الرفات على مرّ العقود، منهم الشهداء والعلماء والصحابة والأطفال الرضع، من أجل إنشاء حديقة قومية عنصرية  يهودية، ومرتعاً للصهاينة.

أم الشهداء الثلاث علاء وبهاء وإيهاب نبابتة، والأسير المحرر صهيب نبابتة، وزوجة الشهيد، تسطر تاريخاً ملحمياً للدفاع عن ابنها، الذي لم يتبقى منه سوى عظامه المدفونة وشاهد مختوم باسمه، فلا تكفّ عن القبر إلا في أوقات الصلاة؛ لتدعوا وتناجي ربها بزوال هذا البلاء الذي لاحق وليدها في موطن عظامه.

يزعم الاحتلال أن هذه المساحة من المقبرة فيها رمز ديني يهودي، ويدّعي كينونة يهودية طمرتها كفّ السنون، لذا تسعى بلدية الاحتلال في جرف هذه المساحة ومسح القبور الجاثمة فيها، والتي ربما بعضها أقدم من هذا الكيان من أجل إقامة هذه الحديقة.

بدأت قصة أم علاء عندما ورد إلى مسمعها في القدس؛ أنّ سلطات الاحتلال تقف عند قبر ابنها بهدف نبشه بعد نبشها للعديد من القبور في يوم الاثنين الخامس والعشرين من أكتوبر، وسارعت كلمح البصر أو هو أقرب، لتُدرك قبر ابنها لتحضنه ناطقة: “ادفنوني هنا!” .

دموعها تنسل من كل حدب وعين، تضم شاهداً قد رقّعته الأزمان، تردد: “قبر ابني هنا….على جثتي بتجرفوه”.

يواصل الاحتلال جرائمه لتصل الابتزاز إلى نبش قبور  الموتى، لبناء حديقة!، تجري أم علاء هائمة، لا تعرف لوجهها مستقرا أو حامياً، عند قبر فلذة كبدها لتوجه رسالتها للكيان؛ بأنّ أبناءنا الذين تلاحقونهم أمواتًا وأحياءً، وما أماتهم سوى القهر والظلم الذي تمارسونه عليهم؛ لن تُنبش قبورهم ولن تطمس هوّيتهم،  فحتى في موتهم يقاومون بطشكم وظلمكم!

حارسة القبر ذات الـ 54 عاماً تصرخ في وجه الاحتلال وتتساءل “هنا مدفنهم….أين ندفنهم؟”.

 وقالت: توفي ابني منذ 4 سنوات وكل يوم نحن في معاناة دائمة، كانوا يهددون دائماً في تجريف القبر ولكن الخطر ازداد خلال الشهرين الأخيرين.

يمنع الاحتلال وصولها إلى المقبرة في كثير من الأحيان ويُطال إلى ذوي الموتى في هذه المقبرة، لكن أم علاء لن تستسلم ولن تسمح لهذا الاحتلال أن يهين ابنها في مماته وينبش قبره، وستظل تداوم عند قبر علاء مرابطة مقاومة صابرة بإذن الله.

وكان مصطفى أبو زهرة، رئيس لجنة رعاية المقابر الإسلامية في القدس، قد قال في وقت سابق، لوكالة الأناضول إن “بلدية الاحتلال في القدس أدخلت جرافات إلى المقبرة اليوسفية وشرعت بتجريف جزء من أرضها”.

وأضاف: “لقد أدخلوا معدات تمهيداً لطمس جزء من المقبرة، وتحويلها إلى حديقة توراتية”.

وكانت بلدية الاحتلال في القدس وما تسمى بـ “سلطة الطبيعة” قد شرعتا العام الماضي في إجراءات لإقامة حديقة توراتية على جزء من المقبرة اليوسفية، التي تعتبر من كبرى المقابر الإسلامية في المدينة.

وقدمت لجنة رعاية المقابر الإسلامية في القدس اعتراضات إلى محاكم الاحتلال؛ لوقف أعمال التجريف.

وأوضح أبو زهرة “كنا قد قدمنا طلباً مستعجلاً إلى المحكمة المركزية لوقف أعمال التجريف إلا أن المحكمة رفضت الطلب، وسمحت باستمرار أعمال التجريف”.

وأشار أبو زهرة إلى أن أعمال التجريف تتضمن نبش قبور لشهداء وموتى مسلمين، ويجب وقفها فوراً.

وأضاف: “نريد من سلطات الاحتلال احترام حرمة الموتى والشهداء ووقف أعمال التجريف القبور، فهذه المقبرة هي أرض وقف إسلامي، ويجب وقف الاعتداء عليها”.

وبحسبه، كانت سلطات الاحتلال قد منعته من دخول الجزء الذي يجري تجريفه في المقبرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى