نُبشت قُبورها وتحوّلت لحديقة.. ماذا تعرفون عن المقبرة اليوسفية؟

القدس المحتلة – القسطل: للمقابر الإسلامية في مدينة القدس ميزة خاصة، فقد دفُن فيها على مدار السنين عدد كبير من الصحابة والمجاهدين والعلماء والأمراء والقادة العسكريين ممن استشهدوا في الحروب الصليبية، وأقاموا بالمدينة للمشاركة في الحامية العسكرية طوال العصور الأيوبية والمملوكية والعثمانية.

هذه المقابر تتعرض شأنها شأن بقية أراضي القدس إلى اعتداءات مستمرة من دولة الاحتلال ومستوطنيها من أجل القضاء على التراث العريق الذي تتضج به أراضي القدس ومبانيها، وكما يقال إن صدق روايات التاريخ تدل عليها الآثار.1

ومن أهم المقابر في المدينة المقدسة المقبرة اليوسفية أو ما يطلق عليها مقبرة باب الأسباط أو مقبرة الأسباط، وهي إحدى أشهر المقابر الإسلامية في القدس، ويعود إنشاؤها إلى عهد الدولة الأيوبية.

عمّرها الأمير (قانصوه اليحياوي) كافل المملكة الشامية سنة (872هـ –1467م) وكان أوري لوفولينسكي رئيس بلدية الاحتلال في القدس قد وقع بتاريخ 7/6/2004 على أمر هدم إداري لجزء من المقبرة وأصدر أمراً بمنع أعمال الصيانة فيها.2

تقع المقبرة على ربوةٍ مرتفعةٍ تمتد من الزاوية الشمالية لباب الأسباط، ومنها إلى ناحية الشرق بحوالي 35-40 مترًا، وتلتقي حدودها مع الشارع العام المسمى (طريق أريحا)، والذي ينحدر جنوبًا إلى أن يتقاطع مع الشارع الصاعد إلى باب الأسباط. وتكون بذلك قد اتخذت رقعةً واسعةً على شكل شبه منحرف، حيث تتسع في الجنوب ليصل عرضها حوالي 105 أمتار، وتضيق ناحية الشمال.

مقبرة باب الأسباط غير ملاصقةٍ للسور، وهذا على خلاف مقبرة باب الرحمة، حيث يفصلها عن السور مسافة تتراوح ما بين 10-15 مترًا، وتستخدم هذه المسافة طريقًا نحو باب الأسباط. يخلطُ البعض بين مقبرة باب الأسباط ومقبرة باب الرحمة، حيث يظنها البعض امتدادًا لها.3

يُوجد لها بوابتان، الأولى في الشمال بالقرب لما يُعرف بسوق الجمعة، حيث كان مكانًا لبيع وشراء الأغنام والدواب الأخرى أيام الجُمع، وتم إغلاقه من قبل بلدية الاحتلال، وتحويله إلى مكب للنفايات. البوابة الأخرى في الجنوب، حيث ترتبط البوابتان بطريقٍ مرصوفٍ بالحجارة البيضاء بعرض 4 أمتارٍ تقريبًا، حيث تنفصل المقبرة إلى نصفين، غربي وشرقي.4

ماذا يفعل الاحتلال في المقبرة اليوسفية؟

تشهد مدينة القدس المحتلة منذ ما يزيد عن العامين حملة استيطانية ضخمة؛ يسعى من خلالها الاحتلال وجمعياته الاستيطانية إلى بسط سيطرته وتهويدها بالكامل، وهذا جاء بدعم ومبارك من الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الذي أعلن حينها أن القدس عاصمة للاحتلال.

نوهَ الباحث والمحلل السياسي مازن الجعبري خلال حديثه مع القسطل إلى أن حكومة الاحتلال سرّعت مخططاتها في مدينة القدس، ورصدت حوالي 2 مليار شيكل لجعل مدينة القدس وخاصة الجزء الشرقي منها، كجزء من القدس الكبرى وتغيير كل المعالم التي تفصل ما بين القدس الغربية والشرقية وتنفيذ العديد من المشاريع الاستيطانية في مدينة القدس.

وتابع الجعبري أنه خلال الفترة الحالية تقوم إسرائيل بالعمل شمال المقبرة اليوسفية، ومن خلال هذا العمل قامت بنش قبور المسلمين أمام كاميرات كل العالم، وما زالت تعمل في هذا الجزء من المقبرة يُطلق عليه صرح الشهداء رغم أنها مكان مقدس للمسلمين وهي جزء من المقبرة اليوسفية، علماً بأن محاكم الاحتلال رفضت الطلبات المتوالية للجنة المقابر بوقف العمل في هذا الجزء من المقبرة بسبب حركة العمل فيها.

أكد الباحث الجعبري أن إسرائيل حاليا هي في عملية مستمرة ومتواصلة وهدفها الرئيس هو تهويد المدينة، وتغيير هويتها السياسية، هذا ما تعنيه إسرائيل، فهي لا تريد أي رمزية أو هوية غير الهوية اليهودية والتلمودية في مدينة القدس. فالعمل في المقبرة اليوسفية هو جزء من هذا المسار السياسي الإسرائيلي، فهي تعمل بكل جهد من أجل تنفيذه وتطبيقه خلال الأعوام القادمة، ومن أجل الوصول إلى هذا الهدف الاستعماري والتهويدي طبعا إسرائيل تريد أن تقلص الحيز الذي يقع تحت سيطرة الفلسطينيين، أي حيز يقع تحت سيطرة الفلسطينيين لا تريد فقط السيطرة عليه بل ايضا مصادرته، وخاصة فيما يحيط بالبلدة القديمة، لذلك هذا الجزء من المقبرة تريد إسرائيل أن تستولي عليه حتى تقلص من حيز المقبرة التي يدفن فيها المسلمين أمواتهم. 

قال الجعبري إنه يجب الأخذ بعين الاعتبار أنه من المسار التاريخي للاستيطان وهذا الاستعمار الإسرائيلي أيضا في الأراضي المحتلة عام 1948 هي تحاول أيضا أن تلغي أي رموز فلسطينية سواء دينية أو تاريخية لان هناك معارك على الرموز ومعارك على العناوين التاريخية في فلسطين، وهذا جزء من هذا الهجوم البربري على هذا الجزء من المقبرة اليوسفية، والذي سبقه أيضا الكثير من التغيير في المعالم الفلسطينية وايضا الاستيلاء على المقابر الفلسطينية سواء في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 أو في الجزء الذي احتلته إسرائيل عام 1967 من القدس.

أهمية المقبرة اليوسفية لدى المسلمين

تنبع أهمية المقبرة اليوسفية من كونها تحمل في جوفها العديد من مقابر الصحابة والمجاهدين والعلماء والأمراء والقادة العسكريين ممن استشهدوا في الحروب الصليبية وأقاموا بالمدينة للمشاركة في الحامية العسكرية طوال العصور الأيوبية والمملوكية والعثمانية، كما أنها ما زالت حتى هذا اليوم تضمن العديد من مقابر أهل المدينة المقدسة.

وأشار سهيل خليلية مدير وحدة مراقبة الاستيطان في معهد أريج للأبحاث التطبيقية خلال حديثه مع القسطل إلى أن أهمية المقبرة اليوسفية تعود تاريخياً إلى أنها مقبرة دينية موجودة على حدود البلدة القديمة بالقدس المحتلة، ولكن أهميتها اليوم اختلفت بمنظار مختلف وبواقع مختلف بما يتعلق بقربها وتلاصقها مع أسوار البلدة القديمة.

 ويرى خليلية أن الهدف هو أكبر من مجرد استهداف مقبرة؛ ولكن الحديث هنا يدور عن نقطة يمكن أن تشكل للاحتلال مدخلًا أو اختراقًا للبلدة القديمة وبالتالي لاحقاً الوصول إلى المسجد الأقصى وباحاته، ونحن نعلم أن الاحتلال بعد عام 1967م على وجه التحديد لم يبقِ على أي موقع حول البلدة القديمة في القدس المحتلة أو داخل أسوار البلدة القديمة إلا وحاول الاستيلاء عليه تحت حجج وذرائع كثيرة؛ استيلاء على منازل بذريعة الشراء أو إعلانه عن مناطق أثرية للاستيلاء عليها، لم تكن هناك بقعة فارغة إلا والاحتلال حاول استولى عليها أو يحصل على حق الإدارية عنها.

 كما أكد خليلية أن الهدف من كل ذلك هو تكثيف الوجود اليهودي على وجه التحديد في منطقة البلدة القديمة وفي محيطها، وهذا الأمر أصبح معروفاً لدى الجميع، وبمجرد سيطرة الاحتلال على هذه المنطقة سيشكل بحد ذاته اختراقًا لساحات المسجد الأقصى، وهذه المرحلة الأولى التي يبحث عنها الاحتلال، فلدينا من جهة منطقة البراق والاختراق من الجسر المعلق.

أهمية المقبرة للاحتلال ومعتقداته

يرى الاحتلال في مدينة القدس والمسجد الأقصى بعداً عقدياً هاماً؛ يسعى من خلاله إلى السيطرة على المدينة وبلدتها القديمة للوصول لهدفه الأكبر، وهو السيطرة على المسجد الأقصى، حيث يؤمن هذا الاحتلال بضرورة هدم المسجد وإقامة هيكلهم المزعوم.

قال خليلية إنه حينما حاول الاحتلال السيطرة على 4700 متر مربع تحت ذريعة إقامة حديثة توراتية في المنطقة، والحديقة التوراتية في تلك المنطقة كانت دائماً ذريعة أساسية مثلما حصل في منطقة سلوان وكيف يحاول الإسرائيلي هدم المنازل في منطقة سلوان بذريعة إقامة حدائق الملك داوود التوراتية.

كلمة الحدائق التوراتية موجودة عند الإسرائيليين وتعتبر دائما الذريعة التي يستخدمونها للاستيلاء على الأراضي، لأنهم يتعاملون مع الموضوع بمنطلق ديني وعقائدي، فبالتالي الحدائق التوراتية لها أهمية كبيرة بالنسبة للدين اليهودي بشكل مباشر لأنها تشكل جزءًا من تراثهم أو من عقيدتهم الدينية، لذلك فهم يحاولون أن تكون هي المدخل الذي يستطيعون من خلاله الضغط على الجهات القانونية مثل المحكمة العليا وغيرها، ليس بسبب أنهم بحاجة إلى دعم هذه المحاكم بحاجة إلى دعم بل لكي يعطوا هذه المحاكم التبرير اللازم لكي يحكموا لصالح الجمعيات الاستيطانية وتسهيل استيلائهم على الأراضي. فهذا هو المدخل الذي استخدمه الإسرائيليون للاستيلاء على هذه المساحة لأجل تحويلها إلى حدائق توراتية.

البعد الجغرافي للمقبرة

يشير خليلية إلى أن المقبرة اليوسفية تقع على تخوم أسوار المسجد الأقصى في الجهة الشمالية الشرقية، وحينما نرى موقع المسجد الأقصى يوجد أكثر من نقطة اختراق يحاول الإسرائيليون الدخول منها، وأكثرها منطقة حائط البراق، واليوم هناك نقطة اختراق من قبل المقبرة اليوسفية بالإضافة إلى مقبرة باب الرحمة، وهناك عدة مداخل يحاول الإسرائيليون الدخول منها، والأنفاق التي تحفر لا أحد يعلم تماماً إلى أين وصلت أسفل ساحات المسجد الأقصى، واليوم أعتقد أن هناك ترابطًا بين الأنفاق التي يتم حفرها في أكثر من موقع وتوصل من مناطق وستخرج من مناطق لن نتوقعها أبداً، ولا نعرف ما هي الآثار التي يتم الكشف عنها أسفل ساحات المسجد الأقصى، فكل هذه المناطق هي مناطق أثرية، وبالتالي لا أحد يعرف تماما أين وصلت مداخل ومخارج هذه الأنفاق، وهذه واحدة من النقاط التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار خاصة أن الإسرائيليين عززوا من تواجدهم حول أسوار البلدة القديمة وتحديداً حول أسوار ساحات المسجد الأقصى، وكما تعلم جميع هذه المناطق أصبحت تحت سيطرة الإسرائيليين، فبالتالي من موقع المقبرة اليوسفية ومقبرة باب الرحمة وحائط البراق والانفاق الموجودة تحت المسجد الأقصى، وعليه نحن نتوقع سيناريو أكثر شبهاً بما جرى في المسجد الإبراهيمي. ونحن نتذكر أنه قبل تقسيم الحرم الإبراهيمي في الخليل كانت أعمال الإسرائيليين والمستوطنين شبيهة، ولكنها اليوم أكثر تقدماً في المسجد الأقصى، وما تبقى فقط أن يحدث حدث كبير وضخم شبيه بالمجزرة التي قام بها جولدشتاين في الحرم الإبراهيمي حتى يتم تغيير كل الأمور المتعلقة بالسيطرة على ساحات المسجد الأقصى مكاناً وزماناً وغير ذلك، وهذه الطريقة التي اتبعها الاحتلال للسيطرة على الحرم الإبراهيمي، وبالتالي هذه هي الخطة التي رسمها الاحتلال في قضية المسجد الأقصى.

 يؤكد الباحث الجعبري أنه يجب الأخذ بعين الاعتبار أن هذا الجزء من المقبرة اليوسفية أولاً له أهمية جغرافية، فهو يقع شمالي شرق أسوار البلدة القديمة، أي أنه بعيد عن سور البلدة القديمة بضعة أمتار، وهذه المنطقة مطلة على شارع أريحا القديم، الذي يربط ما بين مركز القدس ورأس العامود وجبل الزيتون وأيضا الطريق المؤدي إلى واد الجوز، فهو مفرق مهم للغاية لتواصل الفلسطينيين بين الأحياء الفلسطينية المحيطة بالمسجد الأقصى، إضافة إلى ذلك يعتبر موقع المقبرة اليوسفية خاصرة مهمة للمسجد الأقصى، هذه خاصرة موجودة على طول السور الشرقي من منطقة الجنوب حتى الشمال، كل هذا الشرق الوسطي التي يوجد فيها أيضا مقبرة باب الرحمة التي تأتي على شمالها المقبرة اليوسفية، إذن هذا الحيز وهذا الموقع الجغرافي مهمة جداً بالنسبة لـ إسرائيل لتهويده ومصادرته وتحويله استمراراً لعملية محاولات السيطرة وفرض السيادة على المسجد الأقصى التي ما زالت تجري من أجل إقامة مكان مقدس لليهود داخل باحات المسجد الأقصى المبارك.

يرى الجعبري أن إسرائيل اختارت هذه القطعة من شمال المقبرة اليوسفية لأنها رأت فيها حيزًا شبه فارغ رغم أن هناك مقابر ولكن أيضا يوجد بالقرب منها قطعة أرض كانت معروفة على أنها سوق الجمعة الذي كان يعرض فيه الفلسطيني حيوانات للبيع والشراء، وهذا المكان لا يزال موجودًا بالمحاكم لأن ملكيته خاصة، يعود لعائلات من سلوان، ولكن إسرائيل ستحاول مصادرة هذا المكان لإقامة حديقة تلمودية، وقبل أيام نشر رئيس بلدية الاحتلال وقال إنه يريد إقامة حديقة في هذا المكان بعد نشره صورًا للموقع والذي يشمل هذه القطعة من المقبرة اليوسفية بالإضافة للأرض الخاصة المعروفة باسم سوق الجمعة.

 وتابع الجعبري هذه المنطقة تشكل رمزية عند الفلسطينيين، وسيكون العمل من خلالها ومصادرتها امتداد للمشروع الكبير الذي تقوم فيه إسرائيل في مدينة القدس، كما أن المقبرة بالنسبة للمسلمين هي جزء من المقدس هي جزء من المحرمات، هي مقابر للموتى، ويجب أن يكون هناك احترام للموتى، لذلك إسرائيل تتعمد قهر الفلسطينيين من خلال نبش قبور موتاهم، والسيطرة على المقابر، وتغيير معالمها أمام اعين كل العالم، وهدفها كما قلت قهر الفلسطينيين في هذا الجزء المقدس من مقبرتهم الدينية والتاريخية.

خطورة ما يجري وكسر للمحرمات فيما يتعلق بالمقبرة اليوسفية

من أخطر ما يواجه الشعب الفلسطيني اليوم هو ما يمرره الاحتلال من مخططات اخترقت كل المحرمات والخطوط الحمراء التي اعتاد شعبنا على الانتفاض من أجل عدم المساس بها أو تجاوزها. وفي هذا الإطار يرى الخبير خليلية أن الإسرائيليين قد تخطوا منذ زمن الحرمات والقواعد والخطوط الحمراء، واليوم أصبح كل شيء مباح بالنسبة لهم، وهذه ليست أول مواجهة حقيقية تتم في مدينة القدس على وجه التحديد.

وقال إن الإسرائيليين لديهم الاستعداد لتخطي كل الخطوط الحمراء حتى يصلوا لأهدافهم، وأنا أتحدث بشكل واضح؛ تخطي الخطوط الحمراء بدأت منذ أن بدأ الاحتلال بطرد الفلسطينيين من منازلهم داخل البلدة القديمة وحول القدس وعمليات الهدم التي تتم بشكل قصري على المواطن، كل هذه خطوط حمراء، حتى الخطوط الحمراء الدينية تعدوها بكل وقاحة، فالاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى التي أصبحت بشكل يومي بالإضافة إلى أداء الصلوات اليهودية داخل الساحات، وإجراء طقوس دينية مثل الأعراس وغير ذلك كل هذا تعدي للخطوط المعتادة أو ما تسمى بالخطوط الحمراء، ولكن فعلياً على أرض الواقع هذه الخطوط انتهت واليوم كما يقال بالعامية اللعب اليوم على المكشوف، ومن الواضح أن هناك مخطط قادم لمنطقة القدس ومنطقة ساحات المسجد الأقصى بشكل خاص ولكن لا نعلم بالضبط متى سيتم هذا المخطط.

الأهداف الاستيطانية من السيطرة على المقبرة اليوسفية

تسعى إسرائيل منذ اليوم الأول لاحتلال مدينة القدس إلى تهويد المدينة ومسجدها المبارك وتغيير المعالم الإسلامية والعربية فيها من أجل السيطرة عليها وطرد سكانها الفلسطينيين واستبدالهم بالمستوطنين المحتلين القادمين من كل أصقاع الأرض طمعاً بالإغراءات التي روجها الاحتلال ليهود العالم.

ويرى الخبير خليلية أن الهدف هو أكبر من مجرد استهداف مقبرة؛ ولكن الحديث هنا يدور عن نقطة يمكن أن تشكل للاحتلال مدخلًا أو اختراقًا للبلدة القديمة، وبالتالي لاحقاً الوصول إلى المسجد الأقصى وباحاته، ونحن نعلم أن الاحتلال بعد عام 1967م على وجه التحديد لم يبقِ على أي موقع حول البلدة القديمة في القدس المحتلة أو داخل أسوار البلدة القديمة إلا وحاول الاستيلاء عليه تحت حجج وذرائع كثيرة.

أشار الباحث الجعبري إلى أن كل هذه المعركة خاصة بعد الهبات الفلسطينية الأخيرة من عام 2015 لها هدف سياسي وهو فرض السيادة بمدينة القدس بالقوة، بالعنف، بالمصادرة، بالهدم، بتدمير الرموز الفلسطينية، ولا يمكن لـإسرائيل أن تفرض سيادتها والكيان الفلسطيني والعربي ما زال لديه رموز داخل مدينة القدس، لذلك فرض السيادة خاصة خلال هذا العام سيستمر حتى العام القادم، وسيكون صعبًا وعنيفًا وقاهرًا ضد الفلسطينيين في مدينة القدس.

تابع الجعبري: إسرائيل تحاول من خلال أعمالها الاستمرار بعملية قهر الفلسطينيين خاصة من خلال تدنيس المحرمات لدى الفلسطينيين، هذا هو الهدف الإسرائيلي لأنه يوجد هناك هدف نفسي وهدف معنوي تقوم فيه، لذلك أعتقد أن أهمية ما تقوم به إسرائيل شمال المقبرة اليوسفية وهو جزء من هذا المخطط الكبير الاستعماري الاستيطاني التهويدي الذي يجري في مدينة القدس.

وأكد الجعبري أنه مما لا شك فيه أن إسرائيل لديها أهداف، وأن أهدافها المرحلية خلال هذا العام تفتح معارك في كل القدس لأنها تريد تشتيت الفلسطينيين، لدينا معارك في سلوان والشيخ جراح وبيت حنينا وصور باهر وقضية تسوية الأملاك وهدم المنازل واقتحامات المسجد الأقصى، فهذه معارك تفتحها إسرائيل حتى تمزق هذا الكيان والجسد الفلسطيني، فهذا جزء من المعركة المرحلية التي تخوضها، وتريد من خلالها هدم الكيانية وهذا الصمود المقدسي والذي تجلى في الهبة الأخيرة خلال شهر رمضان الماضي.

يرى الجعبري أن هذا كله يخدم أهدافها الاستراتيجية في مدينة القدس والتي تتمثل بفرض سيادتها بحيث تكون القدس يهودية وأن تكون عاصمتها الأبدية، ومن أجل الوصول إلى هذا الهدف الاستراتيجي فهي تعمل على تهويدها وفرض سيادتها من خلال الاستيطان وتقليص الحيز الجغرافي أمام الفلسطيني وهدم منازل الفلسطينيين وقهرهم والبطش بهم بشكل مستمر حتى تقضي على أي كيان فلسطيني له رمزيته في مدينة القدس.

ما هي أسباب تخطي الاحتلال للخطوط الحمراء؟

استغل الاحتلال تشتت العالم عن القضية الفلسطينية بسبب انشغاله بصراعات وحروب إقليمية ودولية عديدة، وبذلك أتيحت الفرصة أمام هذا المحتل لتكثيف مشاريعه الاستيطانية والاستفراد بالفلسطينيين، فتارة قام بدفع قطعان مستوطنيه لاقتحام باحات المسجد الأقصى والاعتداء على فلسطينيي المدينة بشكل منهجي ومنظم، وتارة أخرى قام دعم جمعياته الاستيطانية من أجل تهويد كل ما يحيط بالبلدة القديمة كحي الشيخ جراح الذي دخل في ذروة العاصفة الاستيطانية اليوم، واليوم سمح لمحاكمه بوضع اليد على مقابر المسلمين بحجج واهية، وكل ذلك يأتي في اطار تهويد المدينة المقدسة.

يوضح خليلية أن هناك العديد من الأسباب التي تجعل من الاحتلال يتخطى الخطوط الحمراء؛ دولياً: الساحة الدولية اليوم مشتعلة بالكثير من القضايا، الحروب في المناطق المحيطة، اللاجئين في الكثير من المناطق في العالم، وهناك قضايا تشغل الساحة الدولية بشكل كبير، فأصبحت القضية الفلسطينية على الرف، ومن جهة أخرى قضايا التطبيع التي تحصل خصوصاً مع العالم العربي، أزالت الكثير من الخطوط الحمراء، في السابق كان هناك شعار أن لا سلام ما دام الاستيطان قائماً، ما دام احتلال القدس موجودًا كل هذه الشعارات تلاشت، اليوم العديد من الدول العربية طبعت علاقتها مع إسرائيل، في المقابل الاحتلال موجود وما زال الاستيطان قائمـًا..بالتالي ما هو الرادع الذي سيمنع الاحتلال من المضي قدماً في مخططاته فيما يتعلق بالقدس.

 ويتابع خليلية أنه في السياق الداخلي؛ فإن الانقسام هو السبب الأساسي في تمادي الاحتلال في مخططاته في القدس، ولكن هذا أمر يستغله الاحتلال بشكل مباشر، كون الجبهة الفلسطينية جبهة غير متفقة وغير متناغمة في أمرها، وهو ما أعطى للاحتلال فرصة للقيام بأمور كثيرة منها اتخاذ خطوات أحادية الجانب دون الرجوع إلى الجانب الفلسطيني، لأن الاحتلال دائما ما يتحجج بأنه لا يوجد جهة فلسطينية تستطيع الاتفاق معها، وكما قلت مسبقاً الساحة الدولية اليوم مشغولة بقضايا كثيرة فالساحة الدولية إلى حد ما تقبل بهذا العذر بشكل أو بآخر، وكأنها تقول للفلسطينيين رتبوا أو نظموا صفوفكم حتى نستطيع أن ندافع عن الموقف الفلسطيني، وفي حال وجود أكثر من موقف ووجود أكثر من لسان فلسطيني هذا الأمر أعطى للاحتلال ما يريده من ذرائع لاختراق الكثير من الخطوط الحمراء وهذا للأسف شيء مهم جداً وسبب رئيس لماذا يستطيع اليوم الاحتلال تجاوز هذه الخطوط لأنه بشكل أو بآخر نحن كفلسطينيين فسحنا المجال هذا التمادي.

هل ضعف الإسناد الشعبي يعد سببًا في تمادي الاحتلال وتجاوزه للخطوط الحمراء؟

يختلف الخبراء والمراقبون في قراءة مستوى الاسناد الشعبي في الأراضي الفلسطينية المحتلة الضفة والقدس لأهم قضية من قضايا الشعب الفلسطيني وهي قضية القدس، حيث يؤكد الخبير في الشؤون الاستيطانية سهيل خليلية في معرض رده عن أسباب ضعف الاسناد الشعبي في القدس قائلاًإن هذا فيه قليل من الظلم، الشعب الفلسطيني بشكل عام قام بدوره، ولا نريد أن ننسى على مستوى القاعدة الشعبية أن الشعب أُنهك، نحن نعيش منذ سنوات طويلة في صراع مستمر، الشعب في نهاية المطاف هو من يخرج إلى الشارع ويصارع الاحتلال، هو من يتعرض للضرب والسجن والغرامة، وهناك ضغوط كبيرة عليه.

ويضيف أن الشعب أنهكته هذه المقاومة ولا نريد أن ننسى الهبة التي حصلت قبل عدة أشهر بالقدس، وما زال العالم يتحدث عنها، ولكن هذه الهبة بحاجة إلى دعم ومساندة حقيقية لا مجرد كلام وشعارات، إن المساندات للجهود الشعبية ضئيلة إلى حد ما، ولنكن واقعيين، فنحن نرى مجرد شخصين من أكبر الداعمين للاستيطان في مدينة القدس قاما بالتبرع لمشاريع بمبادرات شخصية لمدينة القدس المحتلة منذ أكثر من خمسة عشر عاماً بمبلغ يزيد عن خمسمائة مليون دولار، في المقابل الدول العربية بباعها وذراعها وامكانياتها ماذا قدمت؟ ماذا قدم الجميع؟، أما بالنسبة للجهود الشعبية كان هناك جهود شعبية ولكن كما ذكرت الشعب أُنهك في نهاية المطاف.

ويرى الباحث الجعبري أن الاسناد الشعبي في قضية المقبرة اليوسفية كان ضعيفًا قليلاً من قبل الفلسطينيين، معتقدا بأن السبب في ذلك يعود إلى أن الفلسطينيين خرجوا حديثا من هبة القدس في رمضان الماضي، وبعد ذلك استخدمت إسرائيل أساليب بطش وعقاب ضد الفلسطينيين في القدس من خلال أجهزتها الأمنية والبلدية بشكل كبير.

وتحدث عن هذه الأساليب من خلال عمليات الاعتقال وأوامر الإقامة الجبرية والنفي عن مناطق السكن وفرض الغرامات العالية على المقدسيين، وقطع التأمين عن العديد منهم، فهناك عملية بطش وعقاب بعد الهبة الأخيرة، بالإضافة إلى أن هناك معارك عديدة من واد الربابة للبستان لبطن الهوى للأشقرية ببيت حنينا للشيخ جراح وكرم المفتي.

وأشار إلى أن الفلسطينيين أصبحوا مشتتين في هذه المعارك، وهذا أحد أسباب ضعف الإسناد الشعبي تجاه المقبرة اليوسفية.

ولكن برأي خليلية أن إدارة الأزمة من قبل لجنة المقابر الإسلامية كانت أحد أسباب ضعف الاسناد، بالإضافة إلى الثغرات القانونية وعملية الدفاع عن المقبرة امام محاكم الاحتلال التي أثبتت فشلها.

كيف يمكن مواجهة المشروع الاستيطاني في المقبرة اليوسفية؟

هناك العديد من الوسائل والطرق التي يمكن من خلالها مواجهة المشروع الاستيطاني، حيث يوضح الخبير خليلية أن ذلك يتم عن طريق الوقفات والمظاهرات الاحتجاجية لما يحدث في القدس، وهناك طرق قانونية لمحاولة مجابهة مخططات الاحتلال، فالمحاكم الإسرائيلية لن تكون جهة مساندة للقضية الفلسطينية ولقضايا المواطن الفلسطيني، ورأينا مؤخرا المحكمة العليا التي أصدرت قرارات جميعها لصالح الاستيطان والجمعيات الاستيطانية في القدس، هذا ما يحدث عندما تصل الأمور إلى نقطة الفصل، وما زلنا نقول إن موضوع القدس موضوع سياسي ودولي ودبلوماسي، ويجب أن يكون التحرك على المستوى السياسي والدولي والدبلوماسي موازي أو على الأقل على مستوى التحرك الشعبي،.

ويتابع: موضوع المقبرة اليوسفية خطير، وإذا ما استطاع الاحتلال تنفيذ مخططه فيها فستكون فقط مقدمة، لمخطط أكبر وهناك مخططات أوسع، والاحتلال لن يقف عند ذلك، ربما نشهد العام القادم وجودًا ملموسًا على الأرض داخل ساحات المسجد الأقصى وهذا الوجود أنا أراه على شكل ربما كنيس للصلاة، إذا لم نتحرك بشكل حقيقي فيما سيجري على الأرض.

وختم الجعبري حديثه بالقول إن معركة القدس معركة كبيرة ومن الصعب على الفلسطينيين في المدينة وحدهم مواجهتها، وسط هذا الجبروت والقوة الاحتلالية الموجودة لديها، وسط هذا الصمت الدولي والإسلامي والعربي، وفي بعض الأحيان التآمر من الأشقاء على الفلسطينيين وتهميش قضية القدس.

وقال إن هناك مسؤولية على المملكة الأردنية، ولكن للأسف تكتفي الأردن في الوقت الحالي بالتنديد بما تقوم به إسرائيل دون اتخاذ خطوات سياسية ودبلوماسية وفقا لدورها التاريخي والديني والرمزي على الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية، فهذا التغييب لهذا الدور له تأثير كبير على هذه الخروقات الإسرائيلية وعلى ما يقوم به الاحتلال تجاه الأماكن المقدسة خاصة المسجد الأقصى وأيضا مقابر الفلسطينيين.

ولكن بحسب خليلية فإن الفلسطينيين أصبحوا على وعي أكبر خاصة بعد الهبة الأخيرة أن مواجهة المعركة بشكل مشتت على المدى البعيد لن يفيد النضال الفلسطيني والحق الفلسطيني، لذلك لا يمكن مواجهة هذا المشروع الاستيطاني الكبير في كل فلسطين وخاصة في مدينة القدس التي تقع في مواجهة مباشرة مع الاحتلال دون أن يقوم الفلسطينون بالخطوات الآتية؛

أولاً؛ مراجعة المرحلة السابقة فيما يتعلق بكل سلوكنا السياسي الفلسطيني وتجربتنا الفلسطينية وخاصة وأنا أتحدث عن مرحلة الثورة الحالية وهي من بداية الستينيات حتى الوقت الحالي، والتي تخللها كل المراحل التاريخية والتي انتهت بهذا الانقسام الفلسطيني الكبير بالإضافة إلى هدم مؤسسات الشعب الفلسطيني وتغييب برنامجه السياسي وميثاقه الوطني وهدم منظمة التحرير الفلسطينية، هذه المراجعة مهمة جدا ويجب أن يشارك فيها كل الفلسطينيين للخروج بمنتجات عملية من هذه المرحلة التي من خلالها يستطيع الفلسطينيون إعادة بناء برنامج سياسي جديد، ولكن يجب أن يكون عموده الفقري إنهاء الاحتلال لأنه لا يمكن أن تتحقق الحقوق الفلسطينية الثابتة دون إنهائه وهذا ما أثبتته التجربة الفلسطينية.

ثانياً؛ يجب أن نعتبر أن كل فلسطين تحت الاحتلال وهذه حقيقة، الاحتلال لم يعطِ الفلسطينيين أي شبر لإقامة كيان فلسطيني وهذا اثبتته كل المراحل السياسية من أوسلو الى ما بعد اوسلو، إسرائيل ليست مستعدة للاعتراف بالحقوق الفلسطينية ولو على شبر واحد من أرض فلسطين، فهي تقوم حالياً وستستمر بالاستيطان والاستعمار في كل فلسطين ما عدا غزة التي تقوم بحصارها، وأي برنامج سياسي لا يقوم على أن فلسطين التاريخية تحت الاحتلال فلن يكون لهذا البرنامج أي فائدة عملية على الفلسطينيين، وأيضا يجب العودة إلى توحيد الشعب الفلسطيني، فهو شعب واحد في الداخل والمهجر، وهذا ضروري جدا لإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية، لذك يجب على كل الفلسطينيين أن يشاركوا في عملية المراجعة وإعادة بناء الكيانية الفلسطينية، لذلك يجب أن يكون هناك من هذه المراجعة ومن هذه المشاركة إعادة بناء مرجعية فلسطينية ذات كيانية ومؤسسات تمثل كل الفلسطينيين وتحمل برنامجًا سياسيًا كما قلت أساسه أن فلسطين تحت الاحتلال وأن إنهاء الاحتلال يجب أن يكون هدفنا الاستراتيجي، ودون ذلك لن نستطيع مواجهة المشاريع الاستيطانية والاستعمارية وما تقوم به إسرائيل من حصار غزة وعمليات الاستيطان بالضفة الغربية ومصادرة الأراضي وتهويد مدينة القدس والتي من خلال المسار السياسي الحالي فخلال خمس سنوات ستتغير معالم القدس بشكل كامل اذا بقي وضع الفلسطينيين كما هو في الوقت الحالي.

هيئة التحرير

هيئة التحرير والإشراف على موقع القسطل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى